إشكالية العلاقة بين الاستبداد السياسي والتخلف العلمي

0

" كل سلطة مفسدة, والسلطة المطلقة, مفسدة مطلقة"
إذا كانت السلطة ضرورية لتحقيق أمن الجماعة الداخلي والخارجي, فإن تلك السلطة مطالبة بضرورة الحفاظ على حريات الأفراد والجماعات التي جاءت لحمايتها, إلا أن هناك حدود معينة لا بد للسلطة من أن تقف عندها في ممارسة حقها الشرعي الممنوح لها من قبل المواطنين في الحكم وتنظيم الجماعة بحيث لا تتجاوز تلك السلطة حدود الحريات الممنوحة للمواطنين فتعمل على كبتها وقهرها وصولاً إلى درجة الاستبداد.
لقد كانت السلطة في العصور القديمة غير محددة ولا واضحة المعالم في مسؤولياتها, ولم تكن تلك السلطة تلتزم بحدود تقف عندها فقط امتد نفوذها إلى كافة مجالات الحياة, واتحدت مع شخصية الحاكم الذي يمثلها فيحتفظ بها لطالما احتفظ بقوة البطش والجبروت التي ملكها فصور الحاكم على أنه مخلوق من طبيعة غير تلك الطبيعة التي خلق بها المواطنين, فهو ذو طبيعة إلهية وربما كان إله أو ابنا للإله يحكم بتفويض مباشر أو غير مباشر من الله .
وبمرور الوقت تطور مفهوم السلطة بتطور الجماعة الإنسانية عبر التاريخ فتحولت السلطة إلى قوانين منظمة للمجتمع, وفي بعض المجتمعات تطور المفهوم سلباً بصورة أدت إلى الاستبداد فحولت بعض المجتمعات إلى حدائق يحكمها طغيان كامل أدى إلى شلل في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية تحت حجة الأمن والاستقرار, فكان نتيجة ذلك كله التخلف في كافة مجالات الحياة ومنها المجال العلمي خاصة إذا ما اعتبرنا أن التعليم والتطور التقني أصبح ضرورة ملحة ومحرك رئيسي للتطور في كافة مجالات الحياة الأخرى وارتبط التطور العلمي هذا ارتباطاً وثيقاً فيما بعد بالسلطة السياسية وشكل الحكم الذي تتبعه تلك السلطة فيتطور التعليم في ظل الديمقراطية والحرية والعكس صحيح بالطبع وهذا ما سنحاول التركيز عليه في صفحاتنا القادمة من هذا البحث حول إشكالية العلاقة بين الاستبداد السياسي والتخلف العلمي.

مفهوم الاستبداد
يعتبر مفهوم الاستبداد من المفاهيم التي عالجتها الحضارة اليونانية القديمة, وقد اشتق ذلك المفهوم من الكلمة اليونانية ديسبوتيس despotes والتي كانت تعني في تلك الفترة رب الأسرة أو سيد المنزل أو السيد على عبيده, وقد تطورت النظرة إلى ذلك المفهوم فخرجت الكلمة من نطاقها الأسري الضيق هذا لتنتقل إلى حقل السياسة وتطلق على شكل من أشكال الحكم الملكي المطلق الذي تكون فيه سلطة الحاكم والملك على رعيته تشبه تماماً سلطة الأب على أبنائه في الأسرة أو السيد على عبيده في تلك الفترة .
وقد عرف الاستفراد بالسلطة والتحكم في رقاب الناس والاستئثار بخيراتهم وخيرات مجتمعاتهم في تاريخه الطويل بالعديد من الأسماء التي كانت تشكل في واجهتها الفسيفسائية مترادفات لمعنى واحد وهو الظلم والجور, فمن الاستبداد إلى مفهوم الطغيان الذي عٌدً من أقدم المفاهيم التي اختلطت بمفهوم الاستبداد, حيث استخدم مفهوم الطغيان للإشارة إلى أنظمة الحكم التي تسرف في استخدام القوة في إدارة السلطة والسيطرة السياسية الكاملة بواسطة حاكم فرد أو حزب سياسي معين باعتبارهما مترادفين غامضين للحكم ألقسري المتعارض مع الحرية السياسية والحكم الدستوري الرشيد المستند إلى القوانين , لكن ما نريد قوله هنا انه عندما نصف الاستبداد بـ"السياسي" فذلك يعني الانفراد بإدارة شؤون البلاد والمجتمع السياسي من قبل فرد أو مجموعة من الأفراد التي تغتصب السلطة السياسية والحكم, وتخضع بقية المواطنين لإدارتها وإرادتها الوحيدة وتكمن سلبية الاستبداد ليس من مجرد كونه انفراد بالسلطة إنما كونه يمثل اغتصاباً حقيقياً لإرادة المواطنين وحرياتهم, فالاستبداد السياسي يفترض وجود علاقة بين طرفين متساويين فيما بينهما ينفرد احدهما بالحق في التحكم بإدارة البلاد ورقاب العباد مقابل أداء الولاء والطاعة من قبل الطرف الآخر, ويعد هذا العمل فعل قائم على الاستيلاء وبالقوة على حق مشترك لجميع أفراد المجتمع, ولهذا فإن المستبد يستولى على الشيء بغض النظر عن كونه سلطة أو غرض معين دون وجه حق في ذلك , وتجدر الإشارة هنا إلى أن الاستبداد لا يرتبط بكونه قانونياً أو غير قانوني أي يستند إلى رباط قانوني أو لا يستند لننزع عن طريقة الحكم التي يمارسها الحاكم صفة الاستبدادية, فالحاكم المستبد هو الملتزم بالقانون الوضعي صنيعته وغير الملتزم فاغلب المستبدين يقهرون الناس ويستعبدونهم استعباداً قانونياً وفق دستور مشرع من قبلهم, فالقانون يعتبر المسوغ الأساسي أحيانا لممارسة سلطة الاستبداد فالقانون الذي يسمح لفرد أو مجموعة بالانفراد بإدارة البلاد دون بقية المواطنين هو قانون استبدادي, وبهذا فإن الشرعية اللاقانونية هي من تضفي الاستبدادية على نظام حكم معين وبذلك فالاستبداد القائم على القانون ينفي ما يؤكده القانون من الاعتراف بالآخر وهو بذلك تقويض لمبدأ المساواة والحرية والعدالة في الحقوق الأساسية, ويقوم الاستبداد في ذلك على العديد من الوسائل كالعنف والقهر والجبر والذي يشير إلى الوسائل التي ينشىء بها المستبد فعله .

مفهوم الاستبداد في اللغة العربية
تعني كلمة استبداد في اللغة العربية التفرد بالشيء والغًلبة علية, والمستبد هو ذلك الشخص الذي ينفرد برأيه في كل أمر ينبغي إجراء المشورة فيه.
فالاستبداد لغة, هو اسم لفعل (استبدً) يقوم به فاعل (مستبدً) ليتحكم في موضوعه ( المستبد به) من هنا لا بد أن يتجسد الاستبداد في شخص أو فئة فيقال : استبد به أي انفرد به, واستبدً بمعنى ذهب, واستبد الأمر بفلان بمعنى غلبه فلم يقدر على ضبطه, واستبد بأميره غٌلبً على أمره, فهو لا يسمع إلا منه, وفي حديث علي رضي الله عنه قال: كنا نرى في هذا الأمر حقا فاستبددتم علينا, فيقال استبد بالأمر, يستبدُ به استبداداً, إذا انفرد به دون غيره, واستبد برأيه: انفرد به, "واستبد الأمير بالسلطة أخذها لنفسه ولم يشارك فيها أحداً, ولم يستشر فهو مستبد"

تاريخ الاستبداد السياسي
يعود تاريخ الاستبداد السياسي إلى عصر اليونان كما ذكرنا سابقاً فقد استخدم هذا المصطلح في البداية ليشير إلى سلطة الأب المطلقة على أبناءه ومن ثم انتقل المصطلح إلى الحقل السياسي فالحاكم الذي يبرر أبويته للمواطنين يعاملهم كما يعامل الأب أطفاله على أنهم قاصرين غير بالغين وقادرين على حكم أنفسهم ومن هنا جاء حقه في توجيههم وإلحاق العقاب بهم إذا انحرفوا عن الطريق.
وقد ظهر مصطلح الاستبداد لأول مرة في التاريخ إبان الحرب الفارسية الهيلينية في القرن الخامس قبل الميلاد, وكان أرسطو قد طور هذا المفهوم وقابل بينه وبين الطغيان وقال أنهما ضربان من الحكم يعامل فيهما الرعية على أنهم عبيد, أما في العصور الحديثة فقد ظهر مصطلح الاستبداد في قاموس الفكر السياسي في النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي والذي يعود في جذوره إلى مونتيسكيو الذي عدً الاستبداد احد الأشكال الثلاثة الرئيسية للحكم إلى جانب الحكومتين الجمهورية والديمقراطية.


مترادفات الاستبداد وأشباهه
هناك العديد من المصطلحات والمفاهيم التي استخدمت من قبل الفلاسفة والكتاب لتفسير ظاهرة احتكار السلطة والحكم والتسلط على رقاب العباد, وتتشابه تلك المفاهيم فيما بينها من حيث أنها تجمع في ثناياها قهر يقوم على إخضاع بالقوة لإرادة المواطنين وتغييب لدورهم الايجابي المنوط بهم في الحياة وفي كل الميادين وبشتى السبل, وقد اختلط مفهوم الاستبداد بالعديد من المفاهيم الدالة عليه وتتلخص أهم المترادفات التي تستخدم أحيانا للإشارة إلى مفهوم الاستبداد بما يلي :
1_ الطغيان : وهو من أقدم المفاهيم المستخدمة للإشارة إلى أنظمة الحكم المسرفة في استخدام القوة لإدارة السلطة والسيطرة السياسية الكاملة بواسطة الحاكم الفرد , وقد كان الطغيان كحكم تعسفي مٌدان وغير مقبول عند الإغريق لأنه يمثل الفوضى التي تتعارض مع النظام والعدل ويقوض وحدة المدينة المتناغمة, وبما أن السلطة فيه تعود لفرد واحد فلا مجال لإدانة الطغيان فبالطغيان يعامل المواطن وكأنه عبدُ, يعاني من قوانين لا تمت بصلة له ويخضع لأوامر غريبة عنه وبالتالي يُذيب الطغيان الملكية العقلية ويحدها ويجعل همها الوحيد العمل من أجل العيش وهو باختصار تذويبُ للمواطنين فيما يشبه القطيع .
2_ الدكتاتورية: وهي حالة سياسية معينة تتركز فيها السلطات بيد شخص واحد يمارسها كيفما شاء, وكلمة دكتاتورية من الفعل dictate بمعنى يملي, أي إملاء المطالب, وقد استخدم مفهوم الدكتاتورية من قبل الملك الروماني المنصب سياسياً في الحقبة الجمهورية, ويشير المفهوم الحديث للدكتاتورية إلى الشكل المطلق للحكم الذي لا تقيد فيه بالدستور والقوانين والأخلاق والدكتاتور يكون فرد أو جماعة فيما سمي بـ" دكتاتورية البروليتاريا" وهو المصطلح المستخدم من قبل كارل ماركس.
3_ الشمولية : مصطلح يصب في نفس المضمار الذي يشير إليه مفهوم الاستبداد ويعبر عن مذهب السلطة الجامعة والقائمة على تذويب جميع الأفراد والمؤسسات في الكل الاجتماعي عن طريق العنف والإرهاب ويتمتع من يمثل هذا المذهب غالبا بشخصية كاريزمية, فترجمة الفعل الشمولي يتم من خلال دمقرطته القائمة على أن إرادة القائد هي إرادة الشعب.
4_ التسلطية: مفهوم جديد يعتبر امتداد للدولة الحديثة وبيروقراطيتها القائمة على اختراق المجتمع من خلال وسائل وأساليب جديدة متدمقرطه لتتلاءم مع الأطروحات الغربية الرأسمالية في مفاهيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

الاستبداد السياسي من أفلاطون إلى كارل ماركس
تناول أرسطو في كتاباته الفلسفية مفهوم الاستبداد السياسي والذي اعتبره حالة مرضية شاذة عند اليونانيين في مقابل ذلك كان الاستبداد عادياً عند الآسيويين كما قال, فالاستبداد وهو النظام الملكي عند البرابرة يتسم بسمة آسيوية تتمثل في خضوع المواطنين للحكام بمحض إرادتهم لأنهم وكما قال عبيد بالطبيعة والحاكم الآسيوي هو الحر الوحيد في ممالك معمرة مستقرة لأنها تعتمد على قبول ورضا ضمني من قبل المحكومين بعكس اليونانيين وبهذا فقد أصبح مفهوم الاستبداد يعني عند أرسطو:-
1_ رب الأسرة .
2_ السيد على عبيده.
3_ ملك البرابرة الذي يحكم رعاياه كالعبيد.
فالاستبداد يشبه الطغيان في أن كليهما اغتصاب للسلطة في المدينة يقوم بها فرد باستخدام الخداع أو القوة ويحدث ذلك عن طريق استخدام مجموعة من الجنود والمرتزقة, وبهذا يتفق أرسطو مع أفلاطون في أن الطغيان ينبثق من الصراع بين الأغنياء والفقراء في ظل الديمقراطية ولكن يؤكد أن الطغيان لا يكون ديماغوجيا بعكس الاستبداد أحيانا. وقد بقي مصطلح الطغيان أكثر المصطلحات استخداما وانتشاراً طوال العصور الوسطى حتى جاء مونتسكو وأبرز مفهوم الاستبداد وقد ميز ما بين مفهومي الاستبداد والطغيان من زاوية صفتي " القهر والجبر" اللتين يشتمل عليهما مفهوم الطغيان في حين أن الاستبداد لا يتضمنهما في معناه بالضرورة فالاستبداد تصرف غير مقيد وتحكمي في شؤون الجماعة السياسية يبرز إرادة الحاكم وهواه مع وجود اهتمام بقواعد العدل والإنصاف أحيانا .
وقد كان ميكافيللي أول من قارن بين الاستبداد والطغيان من خلال مقابلته ما بين النظام الملكي في أوروبا والطغيان الشرقي في الدولة العثمانية, وقد وضع جان بودان نظرية في الاستبداد استخدم فيها حججاً من القانون الروماني ليبرر الاستبداد نتيجة لحق المنتصر في السيطرة على المهزوم واستعباده, وقد جعل مونتسكيو الاستبداد إحدى أشكال الحكومات الثلاثة إلى جانب الجمهورية والملكية, ودان الرق وانتهى إلى أن الاستبداد حالة طبيعية في الشرق وغريبة وخطرة في الحالة الغربية, وقد دخل مفهوم الاستبداد قاموس الفكر السياسي على يد مونتسكيو في القرن الثامن عشر الميلادي والذي كسابقيه قال بأن الاستبداد نظام طبيعي بالنسبة للشرق, لكنه غريب وخطير على الغرب, وبذلك فقد استلهم الفكرة الأرسطية القديمة في تقسيم العالم إلى شرقي وغربي لكل منهما أنظمة سياسية تختلف عن بعضها البعض فالاستبداد في النظام السياسي الغربي يشكل تهديد وخطر على هذه الأنظمة لكنه طبيعي لدى الأنظمة الشرقية, أما بنيامين كونستانت فقد هاجم الطغيان والاستبداد ووصفهما بأنهما نظامان باليين لا يجوز تطبيقهما إلا على النظم السياسية القديمة وقد دعا إلى الملكية الدستورية التي يملك فيها الملك ولا يحكم على أساس أن السلطة يجب أن تبقى دائماً للشعب, وقد فسر كارل ماركس الاستبداد استناداً إلى أنماط الإنتاج الخمسة التي حددها في تاريخ التطور البشري وانطلق من أن نمط الإنتاج الآسيوي في الزراعة كان يختلف عن نمط الإنتاج الأوروبي من حيث اعتماد الأول على مياه الأنهار في الزراعة الأمر الذي تطلب قيام حكومات مركزية للإشراف على مشاريع الري والتحكم في مياه الأنهار, على العكس من قارة أوروبا التي اعتمد فيها النمط الزراعي وإنتاجيته على مياه الإمطار.

مؤشرات الاستبداد السياسي
مما لاشك فيه أن هناك أرضية يمكن من خلالها تحديد مؤشرات تدل على وجود الاستبداد السياسي وتفشيه في مجتمع من المجتمعات ويمكن أن نستدل على ذلك من خلال ما جاء به تقرير مؤشر الديمقراطية لعام 2010, والصادر عن وحدة الدراسات في مجلة ايكونوميست البريطانية والذي تناول في دراسته العديد من الأنظمة السياسية الحاكمة في العالم والبالغ عددها 167 دولة من بينها 20 دولة عربية وقد أوضح التقرير أن الأنظمة الاستبدادية هي تلك الدول التي تعاني من المشكلات التالية:
1_ غياب التعددية السياسية والحزبية, وسيادة نظام الحزب الواحد, والقمع الذي تمارسه السلطة على الأحزاب في هذه الأنظمة هذا إن وجدت تلك الأحزاب أساسا.
2_ غياب النزاهة والشفافية التي تعاني منها العملية الانتخابية في تلك الدول سواء من خلال التزوير أو الإجبار ألقسري المكره على الاختيار والتصويت هذا إن كان هناك تصويت بالفعل فنحن نعلم أن بعض الأنظمة تلجأ إلى العملية الانتخابية لإضفاء نوع من الشرعية على استمراريتها في السلطة والحكم, ويمكن أن ندلل على ذلك ما حصل في مصر بالانتخابات الأخيرة قبل رحيل نظام مبارك من عمليات للتزوير وإلغاء مشاركة بعض الأحزاب السياسية في الجولة الثانية من انتخابات مجلس الشعب ومجلس الشورى.
3_ الانتهاكات والتعديات الحاصلة في تلك الدول على الحريات العامة المتمثلة في التجمعات السلمية والتعبير عن الرأي وفرض حالة الطوارئ في بعض تلك الأنظمة الاستبدادية والاعتقالات التعسفية وعمليات إسقاط الجنسية عن مواطني الدولة, بالإضافة إلى مصادرة حرية الفكر والإبداع الثقافي والعلمي.
4_ تغييب حرية الإعلام وتعددها مقابل الإعلام الموجه المتمثل بالقنوات والشبكات التلفزيونية المملوكة للحكومة والدولة والتي تسيطر عليها جماعات تتصل بالنظام وحتى لو وجدت تعددية إعلامية تكون في إطار من القانون العام المسموح به في تلك الأنظمة بحيث تصب تلك القنوات الإعلامية في نفس الاتجاه والمضمار الداعم للحكومة ونظامها الاستبدادي.
5_ القمع الذي تمارسه السلطة على معارضيها بالسجن والنفي وإسقاط للجنسية بل والذهاب إلى ابعد من ذلك بإصدار أحكام للإعدام بحقهم لتهم توجه إليهم ترتبط بالخيانة العظمى وزعزعة الاستقرار والتخابر مع الأجنبي المعادي كل تلك مسوغات تطرحها تلك الأنظمة لتبرير هجمتها الشرسة على المعارضة السياسية والاجتماعية.
6_ الفساد المستشري داخل الجهاز القضائي لتلك الأنظمة والمتمثل في تعيين القضاة ليس لكفاءتهم بل لقربهم من النظام وتأييدهم له ناهيك عن التداخل في عمل السلطات والسيطرة عليها من قبل الحزب الحاكم بل وربما أحيانا من قبل هرم السلطة في الدولة ورأسها السياسي رئيس الدولة فهو رئيس الحزب الأوحد وقائد القوات المسلحة ورئيس الوزراء.
يذكر الكاتب الصحفي في صحيفة العرب الأسبوعي إدريس الكريني أن الأنظمة السياسية العربية في مرحلة ما بعد الاستعمار رفعت العديد من الشعارات التي كان الهدف منها تعزيز الاستقلال وتحديث المؤسسات السياسية والدستورية, لكنها ما لبثت أن سيطرة على مؤسسات الدولة بل وذهبت إلى أبعد من ذلك بتصديها لمحاولات الإصلاح التي كانت تقودها النخب المعارضة ففرضت طوقاً أمنياً صارماً على شعوبها, وأضعفت مؤسسات المجتمع المدني وضيقت على الحريات وعطلت العمل بالمؤسسات, ومن منطلق اقتناعها بدور الإعلام والثقافة في تكريس هيمنتها والترويج لأفكارها حرصت هذه النخب على تجنيد وسائل الإعلام لخدمة أغراضها واستمالة من المثقفين إلى صفها بالتهديد تارة والإغراء تارة أخرى, { وبدون أدنى شك ليس هذا إلا جزءاً من مظاهر الاستبداد السياسي الذي يستشري في العديد من الأنظمة العالمية المتخلفة والتي لا زالت حتى اليوم تطلق الشعارات الرنانة في استمالة الجماهير فشعارات محاربة الاستعمار والتصدي للغزو الخارجي والحفاظ على الاستقلال السياسي كلها أمور يجتمع حولها المواطنين وخاصة إذا ما أطلقت تلك الشعارات في دول تشبه حالتنا العربية, فبهدف الحفاظ على مصالحها في إبقاء الشعب مخدراً وتجنيب مؤسساتها الحاكمة أي محاولات من قبل الشعوب قد تؤدي إلى هلاكها وضياع تلك الانجازات التي ما لبثت تلك الأنظمة ترى في نفسها هي صاحبتها ولها الحق باستغلالها كيفما شاءت تعمد تلك الأنظمة إلى التضليل والديماغوجيا الفكرية}.

مسوغات الاستبداد السياسي ومبرراته
يُسوغ النظام السياسي الاستبدادي وجوده بالعديد من المبررات التي يستخدمها من أجل إدامة سيطرته على الشعب وضمان وجوده فيستخدم القوة تارة والحيلة تارة أخرى, إلا أن ذلك لا يكفي وحده لديمومة الممارسة الاستبدادية من قبل السلطة الحاكمة, لذا أصبح الاستبداد بحاجة إلى مسوغات يمنحه الشرعية, فمن النادر أن يقدم الاستبداديون أنفسهم بمعزل عن صفات معينة يسوغون بها أعمالهم, فمن الدين إلى العدل والاستنارة والفضيلة والحاجة للأمن إلى المراوغة والمؤامرة وغيرها الكثير من المسوغات التي سنسوق بعضها هنا, وفيما يلي شرح لهذه المسوغات:-
1_ الدين: يحتل الدين مكانة جوهرية في شخصية الإنسان فهو مكون أساسي لوجود الإنسان ومقدس يحمل انفعالات كبيرة لدى جمهور الناس بحيث تؤثر فيهم وتوجه سلوكهم وتضبطه مما يجعله أداة سهلة التسويق والاستخدام من أجل صياغة تفكير الناس وسلوكهم نحو طاعة قوى السيطرة والاستبداد, وقد كانت العلاقة ما بين الدين والسلطة قوية منذ العصور القديمة حتى وقتنا الحالي في استخدام الدين لإضفاء صفة الشرعية على النظام السياسي وتوليد الاحترام والتقديس للقانون الذي يقوم على استخدام القوة وتبريرها , ويمكن أن نستشهد بالتجربة الغربية المسيحية لتسويغ الاستبداد السياسي في العصور الوسطى فقول القديس بولس من أهم الأقوال المرجعية في الفكر الكنسي فقد أشار إلى ذلك صراحة بقوله" ليخضع كل واحد للسلطات المنصبة, فإنه لا سلطان ألا من الله, والسلطات الكائنة إنما رتبها الله, ومن يقاوم السلطان إذن إنما يعاند الله" وبهذا فهو يوجه أتباع المسيحية إلى طاعة سلطات الإمبراطورية وبلجوئه إلى الله مصدر السلطات سوغ الاستبداد القائم في العصور الوسطى, واضحي بذلك الخير والشر يتحددان على أساس طاعة السلطان أو مخالفته.
2_ الأمن: تعتبر الحاجة إلى الأمن من المسوغات التي يسوقها المستبد في تسويق استبداده وخاصة إذا ما علمنا أن الأمن والاستقرار حاجات أساسية للإنسان وشروط لقيام الحياة واستمراريتها فبانعدام الأمن تنعدم الحياة وتصبح غير ذي معنى يأكل فيها القوي الضعيف وتسود فيها شريعة الغاب, ويمكن أن نستشهد في ذلك بما طرحة الفيلسوف والمفكر الانجليزي هوبز من أن الإنسان يستخدم قواه الطبيعية من أجل إشباع رغباته وحاجاته وبما أن ذلك الإنسان وحيداً خلق فهو في مواجهة رغبات وتحديات أفراد آخرين يمارسون نفس القوى ويسعون لنفس الرغبات والحاجات, وهكذا يقرر هوبز أن الحياة عبارة عن قوى متصارعة البقاء فيها للأقوى وبذلك تعتبر القوة معيار تمنع كل سلام وتهدم الأمن والاستقرار وتحول دون تحقيق تلك الرغبات والحاجات ونجم عن ذلك الخوف من المجهول أن قام الناس بمنح حريتهم وحقوقهم إلى شخص أكثر قوة منهم لتأمين سلامتهم في الداخل والدفاع عنهم في الخارج بواسطته يستتب الأمن والاستقرار إنه الدولة الموحدة القادرة على توفير الأمن والأمان, وبهذا يعتبر الأمن من المسوغات التي قد تسوقها السلطة الحاكمة في ممارسة قوتها على جمهور الناس .
3_ مفهوم التآمر: يصور بعض الحكام ونظمهم السياسية الأمر بأنه مؤامرة تستهدف نسف المنجزات التاريخية التي تم تحقيقها في سبيل تسويف الاستبداد وينطوي مفهوم التآمر على الوعي الإنساني بانقسام العالم إلى قسمين حديثاً, شرقي وغربي لكل منهما جوهر ثابت لا يتزحزح ولا يحيد عنه, فتلجأ الشعوب والأقوام المغلوب على أمرها إلى إشاعة هذا المفهوم بداخلها لتشد من لحمتها وتعود بالذاكرة إلى الماضي والتغني بأمجادها ليحرك هذا المفهوم الذي تلجأ إليه حكومتها في كثير من الأحيان روح الكفاح والنضال من أجل الحفاظ على تاريخها وهويتها لكنه يبقيها في نفس الوقت أسيرة التخلف والاستبداد الذي تمارسه حكوماتها وليس أدل على ذلك ما تستخدمه بعض الدول العربية في الإشارة إلى أي تحرك داخلي معارض ومناوئ لحكوماتها فتصوره بأن أيدي خارجية تعبث فيه تحاول النيل من وحدة الوطن وتقسيمه ولعل ما يحدث في بلادنا العربية اليوم وما تسوقه بعض الأنظمة من اتهامات بحق المعارضة التي تعمل على أراضيها لهو خير دليل على ذلك, فهذا المفهوم وبدون أدنى شك يرتبط بمصالح النخب المهيمنة في الشرق وواحد من تخريجاتها الذي سوغت به واقع الحال وفسرت به كل شيء فالغرب المتآمر هو الغطاء المناسب الذي يستر عورة تلك الحكومات واستبدادها السياسي القائم.
هذا بالإضافة إلى العديد من المسوغات التي قد يسوقها الحاكم في تبرير سلطته ومن بينها العلم والقدرة على الحكم مقابل اختفاء من هم مؤهلين أو قادرين على الحكم ويتلخص ذلك في فكرة المستبد العالم والتي تقوم على تصوير أفراد المجتمع بأنهم يفتقرون إلى المواصفات المطلوبة والضرورية لممارسة السلطة والحكم, وأنهم لا يستطيعون حكم أنفسهم, ولهذا فمن الواجب أن يقوم بالحكم من يملك تلك المقومات التي يصور النظام نفسه بأنه ينفرد بها وحده دون غيره, ناهيك عن مفاهيم أخرى مثل الحجج التي يسوقها النظام في بناء الدولة ومؤسساتها ومفاهيم تمجيد الكارثة والكاريزما الإلهامية لشخصية الحاكم كل ذلك يلعب دوراً في تسويغ الاستبداد وإضفاء الشرعية القانونية عليه.

ابرز النظريات الفلسفية التي تناولت دراسة ظاهرة الاستبداد السياسي
1_ النظرية السادومازوخية النفسية : يشير مفهوم السادومازوخية إلى العلاقة القائمة بين السادية والتي تعني إيقاع الألم بالآخرين والمازوخية التي تعني تقبل إيقاع الألم على الذات أو النفس والاستمتاع به, وينسب مصطلح السادية إلى الماركيز دي ساد الذي اشتهر بمؤلفاته ذات المحتوى العنيف في الممارسات الجنسية, أما مصطلح المازوخية فيرتبط بالكاتب النمساوي ليبولد زاخر مازوخ الذي كان يعيش مع عمته التي كانت تعاشر عشيقاً لها بين الفترة والأخرى لدرجة أن حب الفضول دفعه ذات مرة لمراقبة ما يجري فاكتشف سره وقامت عمته بمعاقبته عقاباً شديداً, ومن هنا بدأ المحللون يفسرون قيام ارتباط وثيق بين الألم الذي وقع على مازوخ ولذة الإثارة الجنسية التي كان مازوخ يستمتع بها, وقد تم تفسير الاستبداد وفق هذه النظرية الفلسفية من خلال الارتباط بين المصطلحين أي بين النزعة السادية المتسلطة التي تفرض سيطرتها على شخص وبين النزعة المازوخية التي تتسلم وتتلذذ بالألم الذي يقع عليها فهي علاقة يكون فيها الطرف الأول وهنا هو الحاكم أو الملك قوة متسلطة تفرض إرادتها في حين يكون الطرف الثاني المتمثل بالشعب شخصية مستسلمة مستلذة بالعذاب الواقع عليها,من هنا نرى أن العلاقة بين المستبد والمستبد به تكمن في هاتين النزعتين الموجودتين في البشر جميعاً ولكن بدرجات متفاوتة, فالمستبد يمارس النزعة السادية وهي التلذذ بعقاب الآخرين والسيطرة عليهم والمستبد به يمارس النزعة المازوخية وهي التلذذ بالألم الواقع عليه

2_ نظرية فيتفوجل : وهو مفكر أمريكي الجنسية ألماني الأصل عكف على دراسة بلدان الشرق وأنظمتها السياسية والاقتصادية للوقوف على النمط الآسيوي للإنتاج وكان فيتفوجل يرى أن القاسم المشترك بين بلدان المشرق يتمثل في القوة الاستبدادية للسلطة السياسية عندهم القائمة على نمط الإنتاج الزراعي القائم أساسا على تدخل الدولة في ذلك الإنتاج من خلال طبيعة النظام المائي الذي تعتمد عليه الزراعة في دول الشرق والقائم بالأساس على مياه الأنهار الأمر الذي تطلب تدخل الدولة في شؤون الزراعة وقيام سلطة مركزية استبدادية لها مهمات ثلاثة لتحقيق الإنتاج الزراعي وتتمثل تلك المهام في توصيل مياه الأنهار وحماية الأرض الزراعية من الفيضانات وتوفير مياه الري وقت الحاجة, ويشبه فيتفوجل هذه الأعمال التي لا يمكن تحقيقها فردياً بأعمال الحرب, ومن هنا يعتقد فيتفوجل أن السلطة المطلقة التي يمارسها الحاكم على الأيدي العاملة هي من مكنت حكام بابل وسومر ومصر من بناء القصور الضخمة وهي من مكنت الحاكم القيام بمهمة الكاهن الأكبر وأن يكون إلها أو ابن الإله الأمر الذي دفعه نحو الاستبداد والتسلط بحجة القيام بأمر الله في الأرض, ومن هنا فان تلك الصورة الاقتصادية لمجتمع النهر وما يستتبع ذلك من قيام سلطة مطلقة فرضت على الناس العمل الجماعي ومعاقبة كل من يحاول الإفلات من العمل أو الوقوف ضد إرادة الحاكم والتي تعني معاندة الله وأمره في الأرض ما اضطر الحاكم في الشرق الاستناد إلى العقاب في حكمه ومن هنا ظهر الاستبداد السياسي المرتبط بالاستبداد المائي في مجتمعات الأنهار الشرقية وتم تفسير ظاهرة الاستبداد والتسلط تبعاً لذلك.

آثار الاستبداد السياسي
من خلال ما تقدم يمكن لنا القول أن الاستبداد السياسي يشكل إحدى الأمراض والمعضلات التي تصيب المجتمع في كافة مجالات حياته بحيث تؤدي إلى تعطيل كافة المجالات الاجتماعية منها والسياسية والاقتصادية ناهيك عن التخلف والتبعية والأمراض الاجتماعية التي قد تنتشر لتفشي ظاهرة الاستبداد السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي وفيما يلي ابرز الآثار الناجمة عن ظاهرة الاستبداد السياسي:-
1_ انحراف الغرائز عن أهدافها التي وجدت من أجلها في الحياة فالاستبداد يؤثر على غريزة الفكر التي يتمتع بها الإنسان دون غيره لما فيه من قمع لها وترهيب وبالتالي يسير الاستبداد بالإنسان نحو الضعف فيصبح خاملاً خامد ضائع القصد حائر لا يدري ما يفعل, فتتقلص اهتمامات الفرد وإبداعاته التي تجعله يلهث وراء العديد من الشهوات كشهوة البطن والجنس وبهذا يصبح المأكل والمشرب والزينة اهتمامه الوحيد.
2_ انتشار الأمراض الاجتماعية حيث أن غياب الفكر وخضوع الإنسان لهيمنة رغبات البطن والعادات السيئة تجعل منه إنسانا شريراً لا يهمه سوى النهب والسلب واستعمال كل الوسائل الممكنة لإشباع رغباته العضوية التي لا تعرف الشبع, فتصبح العلاقات الاجتماعية بين الناس قائمة على القهر والتسلط, ما يدفع الإنسان نفسه إلى التسلط والاستبداد على غيره من بني البشر وممن هم اقل منه قوة.
3_ التباين الطبقي داخل المجتمع حيث يقوم الاستبداد بتقسيم الأمة إلى فرق وطبقات متحاربة ومتناقضة في مصالحها, طبقة تعاني من الويلات والفقر والحرمان تنتج ولا تستثمر إنتاجها بنفسها, مقابل طبقة المستكبرين والمستثمرين في دماء الطبقة الأولى وكدها وتعبها.
4_ الفوضى وانحطاط الأخلاق وقتل العزة والشموخ في النفس البشرية فيصبح همها الوحيد العمل من أجل التقرب والتباهي والتفاخر بمحبة السلطان مقابل الكيد والضغائن للطبقات الأخرى في المجتمع فينتشر الحقد والكره وتضعف محبة الإنسان لأسرته, ولأصدقائه اللذين ربما يكونون يوماً عوناً للظلم والباطل على صديقهم, وانتفاء الحب بين الزوج وزوجته لان كليهما ينظر إلى الآخر بأنه متطبع بطبائع حاكمة الأقوى منه من خلال سلوكهما الاثنين داخل الأسرة .
5_ تظهر آثار الاستبداد في أنماط السلوك الاجتماعي فالقهر وآلياته تعمل على ترسيخ مفهوم الإذعان والخنوع ناهيك عن التهديد المتواصل الذي يشعر الفرد انه معرض له على الدوام من قبل السلطة الاستبدادية ما يجعله في موقف الإنسان المدافع والحذر من أي شيء يمت بصلة للسلطة.
6_ إثارة الفتن العرقية والمذهبية في بنية المجتمع الاستبدادي من خلال ما تقوم به السلطة السياسية على الدوام من تعميق الهوة بين الطبقات العرقية, ناهيك عن استخدام الدين أحيانا في تأكيد الاستبداد لدى البعض, والاستعانة بالفئات الاجتماعية لضرب بعض الفئات الاجتماعية الأخرى, ولعل ما قام به النظام المصري في حربة على ثورة 25 يونيو خير دليل على ذلك لتأكيد سلطة الاستبداد واستدامتها من خلال استخدام رجال الأعمال وأصحاب الطبقات المترفة في محاولة قمع الثورة بما عرف بثورة "البطلجيه".
7_ كما يمكن لنا اعتبار الأموال المهدورة من ميزانية الدولة على تقوية الأجهزة الأمنية وتعزيز دورها على حساب القطاعات التنموية الأخرى في المجتمع ظاهرة من ظواهر الاستبداد حيث تلجأ السلطات إلى ذلك لتعزيز وتقوية وجودها واستدامته.
8_ يرتبط الاستبداد السياسي بالقمع الممارس من قبل الأنظمة الحاكمة في الدول المتخلفة, ما ينجم عن ذلك التخلف في شتى مجالات الحياة لاسيما العلمية منها وهي موضوع دراستنا لهذا البحث, لكن ما نود ذكره هنا أن من ابرز آثار الاستبداد السياسي حصر الفضاء العلمي والفكري لدى الدول الاستبدادية في ثقافة الحزب الواحد والايدولوجيا الواحدة ناهيك عن غياب الحريات من إعلام وتجمع وصحافة والقمع الذي تمارسه السلطات بحق الأحزاب ما يعني شل الحركة السياسية والاقتصادية والثقافية في البلد وبقاءها ضمن نطاق الإطار الضيق وما يخلق ذلك من اغتراب سياسي واجتماعي لدى الأفراد داخل الدولة ويدفعهم إلى اللجوء للبحث عن أماكن أخرى يمكن أن تقدر ملكاتهم العقلية والفكرية فتظهر عملية الهجرات الممنهجة من قبل السلطات الاستبدادية في تلك الدول وهروب أصحاب الكفاءات لانعدام الجدوى من بقائها في بلدانها التي تمارس عليها أقسى صنوف العذاب والتدمير.
9_ ينجم عن الاستبداد السياسي من الناحية الاقتصادية آثار تدميرية تتمثل في التبعية الاقتصادية, نتيجة للتخلف الاقتصادي السائد والذي تتعمد تلك الأنظمة إبقاءه في البلد لتجد مبررا لبقائها هذا المتمثل في تصويرها للعالم بأنها القادرة فقط على النهوض باقتصادها وتأمين متطلبات سكانها واستمرارها في تصوير ما تحقق من منجزات غير موجودة أصلا في المجال الاقتصادي بأنه ثمرة جهدها ومرتبط بقاءه فيها, وان غيابها يعني غياب جميع تلك المنجزات وكأنها حكراً عليها وحدها هي التي أتت بها وهي التي تذهبها متى شاءت

التخلف العلمي
برز مصطلح التخلف بعد نهاية الحرب العالمية الثانية مع حصول عدد كبير من بلدان العالم التي كانت ترزح تحت الاستعمار على استقلالها, وذاع استعماله وكثرت الكتابات عنه بدءاً من خمسينات القرن الماضي, وقد التصق مفهوم التخلف منذ ظهوره للتداول والاستعمال كمصطلح بما يسمى ببلدان العالم الثالث فتلازمت مصطلحات من مثل العالم الثالث والتخلف والتنمية للتدليل على تلك الحالة التي عاشتها تلك الدول التي كانت ترزح تحت الاستعمار بعد حصولها على الاستقلال, فالتخلف يعني بطء العمليات التنموية في المجتمع والتي تشمل جميع المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية والتعليمية وما يصاحب ذلك التخلف من تدهور وعدم قدرة المجتمع على سد حاجاته الأساسية لإشباع متطلبات أفراده وما يصاحب ذلك من اعتمادية على غيره من الدول وبقاءه تحت نير التبعية وعدم قدرته على النهوض بأبنائه ومؤسساته الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية.

مفهوم التخلف في اللغة العربية
التخلف في اللغة العربية من مادة خلف وخلفه يًخلفه : صار خًلفه, واختًلًفًه: أخذه من خلفه والخلفُ: الظهر, والتخلُف: التأخٌرُ, استخلف فلاناً فلاناً من فلان : جعله مكانه, ونقول خلفتُ فلاناً ورائي فتخًلفً عني أي تأخًر, وقد يكون الخالفُ المٌتًخلف عن القوم في الغزو وغيره كقوله تعالى﴿ رًضوا بان يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون﴾ , قال: فعلى هذا الخًلفُ الذي يجيء بعد الأول بمنزلة القًرن بعد القرن, والخلفُ المتخلف عن الأول هالكاً كان أو حياً, والخلافُ: المضادًةُ, وقد خالفه مُخالفة وخلافاً, خلف نقيض قدام, والخلف القرن بعد القرن يقال: هؤلاء خلف سوء: لناس لاحقين بناس أكثر منهم, بذلك يكون مفهوم التخلف كل ما يخالف القوم بالتأخر عنهم وعدم اللحاق بالركب, وقد جاء في المعجم الوسيط تحت مادة خلف بأن التخلف بطء في النمو العقلي للطفل حين يقل الذكاء عن حد السواء ودون أن يوصف الطفل بأنه ضعيف والتخلف العلمي التأخر في المجال العلمي والذي قد يشمل التأخر من حيث عدد المتعلمين وارتفاع نسبة الأمية وانخفاض مراكز البحث العلمي والجامعات وهكذا يكون التخلف التأخر بكل ما للكلمة من معنى عما يتطلبه عصرنا الحالي من منجزات وتطورات هائلة في مجال الاتصال والمواصلات والتعليم والاقتصاد والحياة الاجتماعية والثقافية التي يشهدها عالمنا اليوم.
نظريات التخلف
طرح مفهوم التخلف لأول مره ليعبر عن حالة التدني في المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي التي تعيشها مجموعة من بلدان العالم والتي أصبحت فيما بعد تعرف بالدول النامية وقد توصلت الأبحاث والدراسات إلى أن ظاهرة التخلف ترتبط بكثير من الأحداث والتفاعلات التي مرت بها مجموعة من الدول عبر التاريخ, فهذا المفهوم نتيجة لصيرورة وتراكمات تاريخية مضت, فإذا ما أخذنا مجموعة من تلك البلدان المتخلفة وأجرينا عليها دراسة تاريخية نلاحظ أنها جميعاً تشترك في مجموعة من الأحداث التي تعرضت لها عبر التاريخ ولعل الحدث الأبرز والأهم هو الاستعمار ووقوع معظم تلك البلدان تحت نير السيطرة والتحكم من قبل الدول الكبرى في الحقبة الاستعمارية الماضية والتي مارست شتى أشكال الاستغلال والسيطرة عليها من نهب للثروات وسيطرة على العقول وتهيئة الظروف فيما بعد من خلال إيجاد جماعات سياسية مرتبطة بالمصالح الاستعمارية لضمان تبعية تلك الدول لها حتى بعد الاستقلال.
فهناك من ربط التخلف بالظروف الطبيعية وبشكل خاص المناخ, ذلك بأن معظم البلدان المتخلفة تقع في مناخات قاسية تعرقل عملية التنمية عكس الدول المتقدمة التي تقع في مناخات معتدلة لكن تلك النظرية لا تنطبق على دولة كالسويد أو الدول الاسكندينافية التي تقع كلها في عروض مناخية متطرفة, كما يمكن أن نجد دول متخلفة تقع في نطاقات مناخية معتدلة كدول الوطن العربي لكنها متخلفة في حقيقتها, ما جعل البعض فيما بعد يربط التخلف بأهمية مصادر الطاقة بل ذهب البعض إلى القول بأسباب عرقية ودينية وراء ذلك التخلف لكن تلك النظريات لم تلق اهتمام من قبل الباحثين نظرا لفقدانها الواقعية والمصداقية العلمية, فدفع ذلك الباحثين إلى تطوير نظرية جديدة تقوم على اعتبار السبب وراء التخلف نتيجة لإفراز نمط الإنتاج الرأسمالي فظهور الرأسمالية وما نجم عنها من تطورات فكرية وتراكم لرؤوس الأموال والتهافت نحو تحقيق الأرباح أدى إلى وقوع البلدان المتخلفة اليوم ضحية لذلك النظام العالمي الذي أدى إلى استنزاف ثروات الدول المتخلف عن طريق استعمارها واستغلال مصادر ثرواتها وطاقاتها البشرية, ولم تكتفي الدول الرأسمالية تلك بهذا بل عمدت إلى تدمير تلك الدول من خلال الوقوف ضد محاولات التنمية في تلك البلدان بغرض إبقائها تحت السيطرة والتبعية وهو ما نجحت به بالفعل ولعل وجود قطاعات بشرية متخلفة في فكرها ومنظومتها القيمية قد فاقم مشكلة البلدان المتخلفة فعزوف تلك القطاعات عن العمل والخمول والكسل عوامل فاقمت الأزمة وبهذا يقول غسان بدر الدين في كتابه جدلية التنمية والتخلف " أن السبب الأول لتقدم الانجليز الاقتصادي يكمن في وجود مجموعة من الرجال تحلت بعقلية منتجه استحوذت على اختراعات وخلقت الظروف التي تتيح لهذه الاختراعات أن تعطي كل نتائجها"
فمع التأكيد على ما سبق من حيث وقوع جميع البلدان المتخلفة تحت سيطرة الاستعمار إلا أن ذلك لا يكفي وحده لتفسير ظاهرة التخلف بل أن هناك أسباب اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية ساهمت في عملية التخلف لها صله بالإرث التاريخي والاستعماري لتلك الدول فهي أسباب ومظاهر للتخلف, ويمثل التخلف في القطاع التعليمي أكثر الأسباب والمظاهر المؤثرة في التخلف فهذه الدول لا تزال تعاني من ارتفاع نسبة الأمية وهو سبب ومظهر من مظاهر تخلفها العلمي كما أن النقص في البنية التحتية للتعليم وضعف المقررات الدراسة والمناهج التعليمية التي تركز على الجانب الأدبي أكثر من العلمي دوراً في تخلفها العلمي, كما أن المشاكل ألاقتصاديه التي تعاني منها تلك الدول يقف عائقاً أمام عجلة التنمية في القطاع التعليمي فنقص المواد الغذائية يساهم في استفحال المجاعات التي تعمل على قتل الذات البشرية وتجعلها غير قادرة على العمل والإبداع, كما أن غياب التنظيم السياسي القادر على فهم الواقع ومحاولة تغييره كان له دوراً كبيراً في التخلف بكافة القطاعات ومنها التعليمي محور دراستنا هذا الفصل.

مفهوم التخلف العلمي
لم يتوصل الباحثين إلى تعريف واضح ومحدد لمفهوم التخلف فقد تم تعريفه بشكل نسبي فعندما نصف مجتمعا ما بالتخلف فإننا ننطلق في ذلك الوصف من خلال قياس تلك المنظومة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ونقارنها بمثيلاتها في الدول المجاورة أو العالم الآخر, وقد أصبح التخلف حديثاً يطلق على تلك الشعوب التي لم تستطيع التأقلم مع المحيط الجديد الموجودة فيه وعلى هذا الأساس بتنا نصف الدول النامية بأنها متخلفة لأنها لا تستطيع مواصلة ركب التقدم الحضاري والتطور العلمي الحديث, فقد يكون التخلف اجتماعياً بمعنى أن تتحكم العادات والتقاليد والعشائرية في بنية المجتمع وتنظيمه اجتماعياً, فالتخلف الاجتماعي لا محالة يؤدي إلى تخلف سياسي على اعتبار أن التنظيم السياسي يعتمد على البنية الاجتماعية للمجتمع فمن يمثل البنية السياسية داخل المجتمع ينطلق من البناء الاجتماعي في البنية السياسية فالقبيلة هي أساس التنظيم الاجتماعي في المجتمعات المتخلفة والتي تفرز البناء السياسي والأنظمة الحاكمة التي تستند في شرعيتها إلى القبلية التي تعود إليها في جذورها وبما أن التخلف الاجتماعي الأساس فانه ولا محالة من أن يؤدي أيضا إلى تخلف اقتصادي فالنظام السياسي المتخلف بالتأكيد غير قادر على إدارة عجلة التنمية الاقتصادية من خلال ممارساته التي تستند إلى القبلية في التنظيم الاقتصادي وتعين عناصر ليست بالكفاءة المطلوبة لتدير عجلة الاقتصاد وهنا تكمن الكارثة فبدلاً من تنميتها لاقتصاديات مجتمعاتها يحدث العكس, وبنمو حركة المجتمعات يظهر التخلف باختلال التوازن داخل المنظومة الاجتماعية عندما تصبح تركيبتها لا تتلاءم مع الهدف الإنساني المنشود .
ويمكن أن نعرف التخلف العلمي بأنه هو عبارة عن الافتقار إلى المعرفة بأسرار التكنولوجيا والتطبيقات العلمية الفيزيائية والكيميائية, والاستهلاك اليومي لمستحدثات الحضارة الغربية في اعتمادية غير مسبوقة سمتها الأساسية الابتعاد عن الإنتاجية من أجل البقاء وبشكل دائم في الحاجة إلى الآخرين, ناهيك عن النزيف الدائم والمتواصل للعقول من بلدانها الأصلية نحو الخارج وبشكل خاص نحو الدول الصناعية الغربية, ويرتبط مفهوم التخلف بضعف الإنفاق العلمي مقابل التصاعد في الإنفاق العسكري وفشل التعليم العالي في توليد المعارف النظرية والتطبيقية وقلة عدد الباحثين في الدول النامية مقارنة بالدول المتقدمة .

أسباب التخلف العلمي
ترتبط ظاهرة التخلف العلمي في بلدان العالم الثالث بمجموعة من العوامل التي تعود في جذورها إلى الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في تلك الدول ويمكن القول هنا أن أسباب التخلف العلمي ترتبط بمظاهر التخلف العلمي ونتائجها بحيث لا يمكن الفصل بينها فالأسباب والمظاهر واحده في علاقة جدلية تتمثل في علاقة السبب بالنتيجة وصعوبة الفصل بينهما وهو ما يمثل بحق ابرز الأسباب وراء التخلف العلمي في بلدان العالم الثالث ويكمن التخلف العلمي ومظاهره بالأسباب التالية:
1_ التخلف في البنية العقلية
يرتبط مفهوم التخلف بالعقل وما يحويه ذلك العقل من أفكار ومفاهيم, معلومات, معارف وعادات توجه سلوك الشخص الفردي والاجتماعي وتقومه ويرتبط العقل بصفته أساس البنية الفيزيقية التفكيرية بكل ما يحمله من مكونات وأفكار وعادات وتقاليد بالإفرازات الاجتماعية المعاشة وبهذا يرتبط التخلف في البنية العقلية بتخلف البنية الاجتماعية أساسا, ومن هنا يأتي التخلف الاجتماعي المعتمد على المكانة الموروثة في البنية العقلية التي يسودها التفكير الخرافي والمتسمة بنظام طبقي جامد, يسودها الجزم الفكري وعدم تقبل الرأي الآخر فالبنية الفكرية المتخلفة تنعكس أفكارها على الأعمال التي يقوم بها ذلك البناء الفكري وتؤدي إلى تخلفه واصطباغه بالصبغة العقلية التي تحكم الوجود الإنساني, ويرتبط بتلك البنية العقلية تمحور التفكير الذاتي حول مفهوم الشخصية والذي يؤدي إلى الانتهازية والاستغلال والاستبداد والتي ترتبط اساسأ بالسيطرة والتحكم في البنية العقلية وتوجيهها لتصبح مجرد وسيلة تجريدية لا تقوم بأي دور سوى الخنوع والخضوع وبالتالي تنفيذ الأحكام العقلية الصادرة من بنية عقلية ثانوية مستبدة تسيطر على الملكات العقلية الكلية للأفراد داخل المجتمع وتوجهها الوجه المرغوبة لبقائها مخدره.
2_ ارتفاع نسبة الأمية
في الوقت الذي تعرف فيه الأمية في عصرنا الحالي بأنها الجهل باستخدام الكمبيوتر تعاني الكثير من دول العالم الثالث من عدم المعرفة بالقراءة والكتابة, ومما لاشك فيه أن الأمية مرض خطير وآفة اجتماعية تعاني منها أعداد غفيرة من السكان في العالم الثالث ولعل تلك الآفة هي السبب الرئيسي في سلب الوعي والفكر في كافة المستويات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والصحية, وقد أصبحت تلك الدول بفعل هذه الأزمة مرتعاً لجماعات التطرف والإرهاب تنشر فكرها الضلالي مستغلة جهل الناس وعدم وعيهم فكرياً وعقليا لتصبح تلك الجماعات التي تعاني من الأمية رهينة عصابات تتحكم فيها تحت مسمى وستار الدين فتوجهها الوجهة المطلوبة لتحقيق أهدافها, ويكفي أن ندلل على هذه النقطة بالقول أن نسبة الأمية في بعض الدول العربية تصل إلى 65% في حين لا تتعدى تلك النسبة 3% في الدول المتقدمة.
3_ تخلف البحث العلمي
يقصد بالتخلف في البحث العلمي انخفاض مساهمة البحوث العلمية بالتطور التقني والتكنولوجي وتركيزها على البحوث الأدبية في بلدان العالم الثالث التي تعاني من الاستبداد السياسي ولعل السبب في ذلك يرجع إلى تخصيص الجزء الأكبر من الموارد المالية في البلدان النامية للأغراض العسكرية والتسليحية والتركيز على التخلص من الآفات الاجتماعية والأمراض والارتفاع الغير مسبوق في السكان واللذين تتزايد أعدادهم بكميات تفوق الموارد المتوفرة في تلك الدول, ويكفي للتدليل على ذلك أن نشير هنا إلى حجم الفجوة التي تفصل العالم العربي عن إسرائيل في مجال البحث العلمي ففي الوقت الذي لا توجد له نسبة تذكر في براءات الاختراع تأتي إسرائيل في المرتبة 24 بين الدول المتقدمة ويشير الباحث إبراهيم عيسى في كتابة آثار التخلف في البحث العلمي إلى "أنه وفي الوقت الذي أخذت فيه إسرائيل من الاتحاد السوفيتي العلماء في كافة المجالات أخذ العرب منه الراقصات".
4_ نزيف العقول العربية
يلاحظ في هذا الصدد أنه وبالرغم من أن الدول المتقدمة تحارب الهجرة إليها وتضع قوانين في ذلك فإنها سرعان ما تتلهف إلى تلك العقول الواعدة واضعة أمامها كل الإغراءات المادية لتشجيعها على الهجرة,[ ويرتبط ذلك السبب بما تعانيه تلك العقول من تغييب لدورها في بلدانها الأصلية وقمعها في بعض الأحيان من قبل السلطات الحاكمة في تلك البلدان فتجد ضآلتها في اللجوء إلى الهجرة وغالبية تلك العقول مبدعة في المجالات العلمية والأدبية ناهيك عن المعارضة السياسية التي تلجأ أقطابها للعمل من تلك الدول نتيجة وضع العراقيل أمامها وملاحقتها والتي تلجأ في النهاية إلى الدول الأوروبية والغربية نتيجة توفر مناخ وجو من الديمقراطية التي تتيح لها العمل على أراضيها وهنا يجب أن نتنبه إلى ملاحظة وهي أن تلك الدول وبما يخص المعارضة السياسية لا تمنحها اللجوء بدون مقابل فقد دلت التجارب أن تلك الدول تستغل هذه الأطراف فيما بعد لإحداث القلاقل والفتن ولتكون نصيراً لها في أي تحرك مستقبلي ضد دولها ], وقد أشارت التقارير إلى أن الدول العربية تكبدت خسائر مادية تقدر ب200 مليار دولار نتيجة هجرة تلك العقول البالغ عددها 450 ألف عربي إلى أوروبا وأمريكيا.
5_ التركيز على الدراسات الأدبية والاجتماعية
تشير الدراسات إلى أن الأمم تتقدم بمعارفها العلمية التطبيقية ودراساتها الأدبية الاجتماعية وتعد الصبغة الإنسانية والاجتماعية هي السائدة في مختلف الأبحاث والدراسات في الدول النامية بعكس التركيز على الدراسات العلمية والتطبيقية مثل الفيزياء والكيمياء والهندسة بمختلف مجالاتها الوراثية والبرمجية في البلدان المتقدمة, لذا لا بد من أن تسير تلك الدراسات السابقة الذكر جنباً إلى جنب دون إهمال بعضها لحساب الآخر, ولعل السبب في ذلك يعود إلى ضعف مستوى المعامل التي لا تخصص لها الموازنات والعاملين والمعلمين والمناهج في البلدان النامية.
6_ التداخل بين السبب والنتيجة: أي بين مظاهر التخلف وعوامل التخلف العلمي, فهناك خلط واضح ما بين الأمية والقبلية والطائفية وتغييب الديمقراطية هل يمكن اعتبارها أسباب وعوامل للتخلف أم مظاهر ونتائج لذلك التخلف ولعل عدم الوضوح في التوصل إلى تحديد لأسباب المشكلة هو السبب الرئيسي للتخلف العلمي في البلدان النامية, فالتخلف السياسي والاجتماعي والاقتصادي وتخلف البنية الثقافية هي أسباب ونتائج ومظاهر لذلك التخلف في نفس الوقت, فلا يمكن أن نعتبر أن تغييب دور الجماهير الشعبية لصالح الطغم العسكرية ورجال الدين بالإضافة إلى الانتشار الواسع للأمية والانقطاع عن روح العصر والتعصب الأعمى أكان قبلي وقومي واستمرار العلاقات الإقطاعية والقبلية وحالة التفكك الاجتماعي وضعف التلاحم الوطني إلا أسباباً وعوامل لذلك التخلف الذي نعاني منه, لكن المشكلة تكمن هنا في الفصل بين الأسباب والنتائج ما يعتبر بحق جزء من المشكلة المطروحة لظاهرة التخلف العلمي بالبلدان النامية.
7_ غياب الديمقراطية في علاقة أجهزة الدولة بالجامعات ومراكز البحث العلمي وتتلخص تلك المشكلة أن اللذين يتحكمون في هذه المؤسسات لم يصلوا إلى تلك المناصب التي يشغلونها بسبب انجازاتهم العلمية بل لأسباب تتمثل في كونهم أعضاء في الحزب الحاكم أو لأنهم قريبون ممن يحكم وبالطبع هذا يعتبر عامل مهم في التخلف ذلك لأن قيادة المؤسسات العلمية ليست في يد أفضل الأشخاص الذين عاركوا مسار الأبحاث العلمية والتقدم التقني والعلمي, وبذلك يرتبط التخلف العلمي بمفهوم الاستبداد السياسي المتمثل في إحدى جوانبه بحرمان أولئك المبتكرين من الوصول إلى أعلى المناصب نتيجة الخوف والخشية منهم بأن ينقلبوا على تلك الأوضاع التي يتحكم بها أولئك السياسيون الذين يعمدون إلى تغييب دور هؤلاء المبتكرين ونفيهم وبالتالي لا مجال أمامهم سوى الهجرة أو الخنوع.
8_ طبيعة النظم السياسية الحاكمة والتي تشكل نقطة الضعف الرئيسية والسبب وراء التخلف العلمي في بلدان العالم الثالث, إذ يشكل عدم الاستقرار السياسي واحتدام الصراع والتنافس على المناصب بمعنى آخر غياب الديمقراطية عائقاً أساسيا أمام نمو المعرفة ما يؤدي إلى أوضاع سياسية غير مستقرة فتتحول مسألة الأمن إلى البند الرئيسي والوحيد في جدول أعمال النخب الحاكمة التي تكرس الجزء الأكبر من الاستثمارات في قطاع الأمن وغالباً ما تكون قطاعات المعرفة والبحث العلمي هي الضحية التي تتعرض لإهمال من حيث الاهتمام السياسي وتخصيص الاستثمارات ويكفي أن نشير إلى أن نصيب البحث العلمي والتقني في البلاد العربية لا يتجاوز سوى 0,002% من الناتج المحلي مقابل ما يزيد على 2% بالنسبة لمعظم الدول الصناعية, وكما أسلفنا فإن الوضع لا يتوقف عند ذلك الحد بل يتجاوزه ليصل إلى الإدارة التربوية التي تحول المؤسسات المعرفية إلى أجهزة وأدوات إضافية لتعزيز سيطرة النخبة الحاكمة وتوسيع قاعدتها الجماهيرية.
نستنتج مما سبق أن التخلف العلمي يرتبط بمجموعة من الأسباب والعوامل التي يمكن تصنيفها إلى عوامل سياسية تتمثل في النظام السياسي الحاكم وطبيعته وغياب الديمقراطية, وعوامل اجتماعية تتعلق بالتخلف في البنية الاجتماعية واستمرار احكم العشائري والطائفي, بالإضافة إلى العوامل الاقتصادية مثل الفقر والتبعية الاقتصادية, ويمكن لنا القول هنا أن أسباب التخلف العلمي ومظاهره واحده.

علاقة الاستبداد السياسي بالتخلف العلمي
يمكن لنا القول من خلال استعراض موضوع الاستبداد السياسي من حيث المفهوم والمظاهر وأهم النظريات التي جاءت لتفسير تلك الظاهرة واستعراض مفهوم التخلف العلمي وأسبابه وابرز مظاهره ونظرياته, بأن هناك علاقة يرتبط كلا المفهومين بها وهذه العلاقة تكمن في كونها علاقة جدلية تمثل بعلاقة السبب بالنتيجة فالاستبداد السياسي يلعب الدور الرئيسي الذي من شأنه أن يؤثر في مجريات الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية, وبما أننا هنا نتحدث عن علاقة الاستبداد السياسي بأحد أهم الجوانب التي يتكون منها المجتمع ألا وهو الجانب العلمي الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتطور مستقبل الأمم وحضارتها فلا يوجد أمة عبر التاريخ تمكنت من التطور دون الارتقاء بمعارفها وعلومها التي تشكل أساس نهضتها وحضارتها عبر التاريخ فقد تطورت الحضارة العربية الإسلامية في العصر العباسي لوجود خلفاء آمنوا بالعلم ومساره في نهضة الأمم حتى قيل بأن الخليفة هارون الرشيد كان يمنح كل من يؤلف كتاباً وزنه ذهباً بالرغم من أن تلك الخلافة كانت تعيش حالة استبداد سياسي إلا أن من مثل ذلك الاستبداد آمن بأهمية التطور العلمي والحضاري في رفعة الشعوب ونهضتها.
يمكن لنا القول في نهاية هذا البحث بأن العلاقة التي تربط الاستبداد السياسي هي أيضا علاقة تضافر وتكامل فكلا المفهومين يتضافران ليجدا مجتمع متخلف في كافة المجالات وهما مفهومين تعاني منها كل بلدان العالم النامي فالتخلف ظاهرة واضحة المعالم في تلك البلدان ومن بينها بلداننا العربية كما أن ظاهرة الاستبداد السياسي ظاهرة تتميز بها كل الدول في تلك المجتمعات العربية والغير عربية النامية, فالعلاقة مع ذلك باتت علاقة واضحة مباشرة للنتيجة بالسبب فالتخلف العلمي نتيجة طبيعية لغياب حرية التفكير, وحرية البحث العلمي الذي تفرضه دائماً الطبيعية الاستبدادية للنظام السياسي الحاكم بحيث تسير تلك البحوث بما يخدم مصالحها ويحقق ذاتها, والأخطر هنا هو انسجام الأنظمة المستبدة مع حالة التخلف العلمي للمجتمعات التي تحكمها دونما السعي الجدي للتخلص من تلك الظاهرة فتلك الأنظمة السياسية ترى بظاهرة التخلف العلمي سبباً مباشراً لوجودها وحماية ذلك الوجود بحيث لو انتفت تلك الظاهرة من مجتمعاتها لهددت مصالحها وباتت تشكل خطرا على استمراريتها ونفوذها لأنها ستعمل بدون أدنى شك على تفتح العقل البشري وتبصيره بواقعه السياسي المرير الذي يعيشه وبالتالي الثورة والتحرك لإنهائه والتخلص منه.
ويكمن أن نستدل على صحة الفرضية التي تقول بأن العلاقة التي تحكم كلا المتغيرين هي علاقة السبب بالنتيجة من خلال ملاحظة الواقع الذي تعيشه الدول المتقدمة في الغرب فكلاً من التقدم العلمي والازدهار الحضاري هناك حصل ويحصل في إطار دول تأخذ بالديمقراطية نظاماً سياسياً لها والليبرالية ايدولوجيا لتلك الأنظمة إلى جانب الاقتصاد الحر وهنا تكمن أهمية الملاحظة من خلال الاطلاع على واقع البلدان المتخلفة من حيث ارتكازها على الشمولية في أنظمتها السياسية والاقتصاد الحكومي وغياب الديمقراطية, فالتطور الذي تمثله الحضارة الغربية جاء نتيجة طبيعية وحتمية لبداية تلك الحضارة التي قامت كثورة على الظلم والاستبداد السياسي والإقطاعي الذي ساد أوروبا تلك الفترة فجاءت النتيجة طبيعية تتسم مع ما قامت عليه من مبادئ تدعو إلى الحرية وانتهاج العقلانية كمبدأ يحكم البشرية تلك العقلانية التي طورت العلم ووصلت به إلى ما نراه اليوم في أوروبا والغرب بكامله من حضارة عريقة بدأت بالثورة على الكنيسة والإقطاع وانتهت بغزو الفضاء والربط بين كوكبين يبتعدان عن بعضهما مئات السنين بوقت لا يتجاوز العشرة دقائق من خلال عمليات غزو الفضاء التي يعود الفضل بها لأوروبا والغرب بأكمله.
فالحرية تفك القيود التي يفرضها النظام السياسي على العقل وتحرره من الأغلال لينطلق ويبدع فالعبد كيف له أن يبدع لرفعة قوم لا رفعة له بينهم, فلا بد من الحرية لكي تدفع الجميع للعمل وبذل الجهد والتفكير العلمي الجاد فهي الأساس للتغير العلمي النافع فهي تطلق للنفوس العنان فتتكون عندها إرادة التغيير للأفضل على العكس من ذلك الطغيان والاستبداد الذي يكبح جماح العقل ويحد من إبداعه ويجعله دائم السعي وراء العيش الذليل, ولا بد هنا من أن تسير الحرية جنباً إلى جنب مع قيم الديمقراطية والعدالة فبالديمقراطية يغييب الاستبداد والاستعباد والقهر وبها يشعر كل فرد من أفراد المجتمع بأنه صاحب قرار مطالب باحترام غيره كما غيره يحترمه فالإصلاح السياسي بذلك يعتبر الركيزة الأساسية للتطور ولا بد أيضا من توفير الأمن والأمان والأمانة العلمية في النقل والتوثيق, ونقصد بالأمن هنا إضافة لذلك الأمن الداخلي والاجتماعي والغذائي بحيث تنزع عقول الناس نحو الإبداع ولا تكون دائمة البحث عن لقمة العيش التي تجعلها غير قادرة على التفكير بما هو أهم من ذلك, كما أن التخلف العلمي يرتبط بالأساليب الاستبدادية للتعليم في المدارس والجامعات والتي تعتمد على التلقين كأساس للتعلم والتربية وهنا يجب إحداث قفزة نوعية في التعليم بحيث يستند إلى الفكر المنطلق نحو المنطق العلمي والجدلي بحيث يتجاوز في ذلك التصلب الذهني والفطرة المتحجرة نحو الفكر المرن المفتوح المتعدد الذي يمثل لب التفكير الإبداعي, كما أن غياب الفرد المناسب في المكان سبب من أسباب التخلف العلمي التي ترتبط بالاستبداد السياسي فالأنظمة تعمد إلى وضع من يمثلها في مؤسساتها التعليمية وقد يكون أولئك الأفراد غير قادرين على قيادة أنفسهم فكيف بنا ننتظر قيادتهم لمؤسسة تعليمية ينتظر منها الكثير.
ويرتبط التخلف من الناحية الاقتصادية بالاستبداد السياسي فليس انخفاض مستوى الدخل إلا سياسة تمارسها الأنظمة الحاكمة في تلك الدول الهدف منها إبقاء السكان في تلك المجتمعات ترزح تحت رمق الفقر والجهل كما يرتبط التخلف بمفهوم الاستبداد بكافة أشكاله السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية السائدة في تلك الدول, فطبيعة النظام السياسي الحاكم من حيث كونه نظام ديمقراطي أو ملكي أو حزبي أو استبدادي تلعب دوراً في كل من التخلف والتقدم العلمي فلو نظرنا للنظام السياسي في الدول الغربية التي تمثل العالم المتقدم نلاحظ أن أنظمتها تلك تختلف اختلافاً جذرياً عن الأنظمة السياسية في بلدان العالم الثالث ويرتبط بذلك أن الأنظمة الديمقراطية لها فلسفتها التعليمية التي يكون الهدف النهائي منها المساهمة في حقل المعرفة والتطور التكنولوجي نحو خدمة الإنسانية بأكملها في حين ترتكز البحوث العلمية في الدول الاستبدادية على بحوث بسيطة لا تكاد تذكر الهدف منها الإضافة إلى المعرفة العلمية فقط, كما أن طبيعة النظام السياسي في البلدان المتقدمة وانتفاء صفة الجبروت عنه يجعل الأفق مفتوحاً للطلبة والمتخصصين والعلماء في البحث بدون حدود وضوابط دون رقيب أو حسيب عليهم بعكس الدول النامية التي تراقب فيها الأنظمة السياسية كل صغيرة وكبيرة فتقتل الطموح لدى أفرادها في الإبداع والابتكار والاتجاه نحو البحث العلمي وقد تدفعها تلك الأنظمة أحيانا للهجرة والهروب خارج البلد, كما أن طبيعة النظام الاقتصادي المتخلف والمفتقر أصلاً إلى الخبراء الاقتصاديين والباحثين لخلوهم وندرتهم يجعل من خطط التنمية والتحديث فاشلة بكل المقاييس ويعود السبب في ذلك إلى الافتقار للتخطيط واعتماده على رؤية شخصية أو حزبية ترى مصلحة الوطن بالمصلحة الحزبية ومصلحة من يمثلونه من شخصيات تستلهم ويستلهم فيها التخطيط الاستراتيجي من فكر القائد الذي لا مجال فيه للمغالطة حتى لو تكلم خطأ والعكس تماماً في الدول المتقدمة والتي تقوم اقتصادياتها على نوع من التخطيط المبرمج بكل مراحله وتفاصيله وتستلهم فكرها الاقتصادي من عقول الباحثين والمختصين في المجالات التخطيطية ومراكز الدراسات والأبحاث المتخصصة في ذلك ما يؤدي إلى الابتعاد عن العشوائية والارتجالية في التخطيط وهي السمة التي تظهر في الدول النامية, أما من حيث النظام الاجتماعي فإنه يلعب دوراً كبيراً في تخلف المجتمع بأكمله فليس التخلف مقتصراً على المجال العلمي بل يتعدد ليعود في إحدى أسبابه إلى الطبيعة المتخلفة للمنظومة الاجتماعية التي من الممكن أن تعتبر سبباً أساسياً في التخلف العلمي إضافة إلى المنظومة السياسية والاقتصادية, حيث يتميز ذلك البناء الاجتماعي السائد فيها بالجهل والتخلف في رؤيته للتعليم والهدف منه فمن حيث الرؤية هناك مجتمعات لا تزال تحارب التعليم وتتخذ منه موقفاً سلبياً ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال ارتفاع نسبة الأمية التي يرتبط انتشارها بأسباب اقتصادية واجتماعية أحياناً, ومن الناحية الاقتصادية يعتبر الفقر السبب الرئيسي في عزوف الشباب عن التعلم والاتجاه بدلاً من ذلك نحو العمل لسد متطلبات الحياة الأساسية على اعتبار أن الجوع يقتل أي تفكير لدى الفرد فيصبح الهم الوحيد لديه البحث عن الطعام والشراب فمن يعاني من الجوع لا يجد له متسعاً ليفكر في الذهاب إلى المدرسة والجامعة وهنا يبرز الدور الاجتماعي أيضا في ذلك حيث أن طبيعة النظام الاقتصادي الذي تمارسه المنظومة الاجتماعية هي التي توجه العامل الاجتماعي الذي بدوره ينعكس على النظام الأسري المتخذ من التعليم أحياناً آفة على اعتبار أنه يؤدي لا محالة إلى خروج على القيم والعادات والتقاليد فيصبح الشغل الشاغل والهم الوحيد للنظام الاجتماعي الزراعي هو محاربة التعليم للحفاظ على الإرث التاريخي وتأكيد تاريخ وعادات الأجداد فمن اهتمام ونزوع نحو الأرض إلى عادات وتقاليد تتخذ صفة القداسة والكهنوت أحيانا أخرى يمارس النظام الاجتماعي الاستبداد اللاإرادي عبر إجبار المتمردين على تلك القيم التي يمثلها النظام الالتزام بها فتظهر وعلى سبيل المثال عادات من مثل الإكثار من إنجاب الأطفال وتفضيل الذكور على الإناث لارتباطها بموروث تقاليدي قائم على العزة والقوة ولتوفير الأيدي العاملة اللازمة للزراعة كما أن ذلك النظام المغلق يحارب المرأة ويقف ضدها موقف أكثر سلبية من ناحية التعليم فارتفاع نسبة الأمية بين الإناث يفسر تلك النظرة لتعليم المرأة في البلدان النامية والتي تؤدي في النهاية إلى تسرب الفتيات من المدارس بسبب الزواج المبكر وما ينجم عنه من ارتفاع في أعداد المواليد وتفاقم في أزمة الغذاء والرعاية الصحية فتتحول المشكلة من تعليمية إلى اجتماعية سياسية اقتصادية وتتشعب لتترابط جذورها بعضها ببعض دونما حلول فعالة للتخلص من تلك المشكلات.

الخلاصة والنتائج
من خلال الدراسة المستفيضة لمفهوم الاستبداد السياسي والتخلف العلمي وجد الباحث أن المفهومين يرتبطان مع بعضهما البعض بعلاقة جدلية تتمثل في علاقة السبب بالنتيجة وكلاهما مفهومين متكاملين يقومان على مجموعة من الأسباب والعوامل التي تعتبر عوامل للاستبداد والتخلف معاً وتلك العوامل تتلخص فيما يلي :
1_ يرتبط الاستبداد السياسي والتخلف العلمي بتمحور التفكير حول الذات وينتج عن ذلك الانتهازية والاستغلال والاستبداد فقد بات الكثير من أفراد المجتمعات النامية ينظرون إلى الحياة على أنها فرص ينبغي استغلالها, والعلاقات مع الآخرين بات يحكمها صراع يحاول كل طرف فيه حسمه لصالحه, فمن يصل لمنصب سياسي أو اقتصادي أو أي موقع فلا بد له من أن يستغله لصالحه, والمستبد يرى أن هناك تناقضاً بين مصالحه الشخصية المحكومة بأنانية مفرطة والمصالح العامة لجمهور الناس لذلك يحاول دائماً أن يمحور كل شيء حول شخصيته لخدمه أهدافه الشخصية.
2_ التفكير العاطفي والذي يرتبط بعدم النضج الفكري ويؤدي إلى ظهور نزاعات تتمثل في الارتجالية والآنية التي تتحكم في الإنسان المتخلف نتيجة تعوده في الاعتماد على غيره ما تجعله عاجزاً عن التفكير والاختيار وضبط الانفعالات وتحميل غيره ما يعاني منه من مشاكل.
3_ خاصية الجزم الفكري في العقلية المتخلفة والتي تقود إلى توهم الإنسان دوماً بأنه على علم بما يحصل من أمور أكثر من غيره ما يقوده إلى الاعتداد بنفسه وتيقنه الدائم بصحة رأيه وعدم قبول النقد البناء والمراجعة في أمور معينه, فالإنسان المستبد دائما يحاول الحسم في الأمور بأسلوب لا مجال فيه للشك بالخطأ أو الخطأ, ويرتبط ذلك بالتخلف العلمي من حيث أن العقلية التي تتحكم بالمجال العلمي هي نفسها العقلية السياسية فلا مجال هنا للحديث عن تطور في ضل السيطرة الاستبدادية للنظام الحاكم على المؤسسات التعليمية.
4_ التواكل الفكري الذي يعتبر منتج عقلي يقترن بمنهج تسويفي يهدف إلى إراحة النفس من التعامل مع مشكلة ما وما ينتج عنها من استسلام للفكر التآمري وبشكل خاص هنا لدى الأفراد الذين يسيطر عليهم النظام السياسي ومما لا شك فيه أن سيادة ذلك النوع من التفكير يعد دليلاً على الروح الانهزامية الجبانة التي ترجع الأمور كلها من تخلف واستبداد إلى قوى خفيه تسيطر على البلد وموارده وهذا دليل عدم الثقة وضعف الإرادة التي يمتلكها الفرد في أن يعزو المشكلة الحقيقة إلى أسبابها الحقيقة وبالتالي محاولة إيجاد الحلول لها, ويؤدي ذلك إلى انتشار الفوضى وعدم إتقان العمل وغياب الدافع الذاتي المحرك للإبداع والابتكار فالمسه الغالبة في كثير من دول العالم النامي هي العزوف عن العمل لأسباب ترتبط بطبيعة العمل حتى وأن وجد العمل على سبيل المثال فلا نجد من يؤديه على أفضل وجه ممكن.
5_ يعتبر الاستبداد السياسي والتخلف العلمي أبرز السمات التي تصطبغ بها الدول النامية في عالم اليوم, فمن الحكم العسكري إلى الدكتاتوري إلى الشمولي ينتقل مفهوم الاستبداد السياسي ليكون السبب وراء التخلف العلمي والتقني والثقافي في تلك البلاد.
6_ يعتبر مفهوم الاستبداد من المفاهيم التي تناولتها الحضارة اليونانية القديمة بالبحث, وقد اشتق ذلك المفهوم من الكلمة اليونانية ديسبوتيس despotes والتي كانت تعني في تلك الفترة رب الأسرة أو سيد المنزل أو السيد على عبيده.
7_ ظهر مصطلح الاستبداد السياسي لأول مرة في التاريخ إبان الحرب الفارسية الهيلينية في القرن الخامس قبل الميلاد, وكان أرسطو قد طور هذا المفهوم وقابل بينه وبين الطغيان وقال أنهما ضربان من الحكم يعامل فيهما الرعية على أنهم عبيد.
8_ هناك الكثير من المترادفات التي تستخدم للإشارة والدلالة على مفهوم الاستبداد السياسي فمن الشمولية إلى الطغيان إلى الدكتاتورية إلى التسلط كلها مصطلحات تفيد معنى واحد وهو الاستغلال والسيطرة والهيمنة للفرد الواحد أو الحزب الواحد في حياة تنتفي فيها جميع القيم والأخلاق الإنسانية ويصبح الظلم والقهر سيدها.
9_ غياب الديمقراطية والتعددية الحزبية وانتفاء النزاهة من الجهاز القضائي والإداري والانتهاكات الحاصلة يومياً عليه وعلى الحريات العامة وانتفاء حرية الفكر الإعلامي والإبداع والقمع الذي تمارسه السلطات الحاكمة على المعتقلين في السجون وخارج السجون مؤشرات على وجود الاستبداد السياسي في الدول النامية.
10_ هناك العديد من النظريات التي فسرت الاستبداد السياسي ومنها النظرية السادومازوخية والتي تعني تقبل إيقاع الألم بالآخرين والتلذذ به, ونظرية فيتفوجل التي فسرت الاستبداد من خلال دراسة أنظمة الشرق الاقتصادية ورأت في أسلوب النظام المائي المتبع هناك والقائم على تدخل الدولة المباشر هو من أسس للاستبداد ورسخه في تلك الأنظمة.
11_ التخلف العلمي هو عبارة عن الافتقار إلى المعرفة بأسرار التكنولوجيا والتطبيقات العلمية الفيزيائية والكيميائية, والاستهلاك اليومي لمستحدثات الحضارة الغربية في اعتمادية غير مسبوقة سمتها الأساسية الابتعاد عن الإنتاجية من أجل البقاء وبشكل دائم في الحاجة إلى الآخرين ناهيك عن النزيف الدائم والمتواصل للعقول من بلدانها الأصلية نحو الخارج وبشكل خاص نحو الدول الصناعية الكبرى.
12_ يرتبط الاستبداد السياسي بعلاقة سببية وطردية مع التخلف العلمي, وهذا يعني أن الاستبداد السياسي هو السبب الرئيسي في التخلف العلمي في البلدان النامية في يومنا الحالي وأن تلك العلاقة هي طردية حيث أن الزيادة في الاستبداد وانتفاء الحرية والديمقراطية يزيد من التخلف العلمي ويضاعفه والعكس صحيح.

التوصيات
1_ العمل على نشر القيم الديمقراطية داخل المجتمعات المتخلفة واحترام حقوق الإنسان وإطلاق العنان للحريات الشخصية العلمية والإعلامية.
2_ الانتقال من الأدوات البسيطة والبدائية في الإنتاج والحكم إلى استخدام التكنولوجيا الحديثة وإنشاء مؤسسات سياسية حديثه كالمجالس التشريعية والإدارات المحلية, نحو اعتماد العقلانية في اتخاذ القرار وتسييسه.
3_ العمل على نشر العلم والتفكير المنطقي والتخلص من الخرافات والإتكالية بنشر قيم المواطنة والعدالة والمساواة.
4_ العمل على فك الجمود الطبقي الذي تعاني منه مجتمعات الدول المتخلفة وفتح القنوات أمام الجماهير لإتاحة الحرية بالانتقال بين الطبقات والعمل على ربط المكانة
الاجتماعية للأفراد بانجازاتهم وليس بمكانتهم الموروثة.
5_ تحديث الإنسان لتحديث المجتمع, فالمجتمع المتخلف مرتبط بتخلف أفراده, وتحديث الإنسان يتم عن طريق التعليم والثقافة ومحو الأمية وتحسين ظروف المعيشة وإطلاق طاقات الفرد وثقته بنفسه وتجديد قيمه وزيادة وعيه ليصبح أكثر فعالية مما هو عليه اليوم.
6_ إعادة توزيع الثروات والدخول بحيث لا تستأثر فئة صغيره من أبناء المجتمع على معظم الثروة والدخل بينما تعاني الغالبية العظمى من العجز والفقر وسوء المعيشة فإعادة توزيع الثروات تحقق العدالة الاجتماعية وتجعل الفرد يتفرد للإبداع والتفكير والتطوير العلمي لأن همومه التي أثقل بها في الماضي انتفت بتحقيق العدالة الاجتماعية وهو هنا ليس بحاجة إلى أن يبقى يلهث وراء لقمة العيش دون تحصيلها.
7_ تحقيق المشاركة الشعبية ونشر قيم الديمقراطية السياسية والتي تعد من المتطلبات الأساسية لمقاومة التخلف والتخلص منه لأنها تتيح للأفراد المشاركة في عمليات صياغة وصناعة القرار السياسي الذي يرون به جزء لا يتجزأ منهم ولكي تحدث التنمية ويتم التخلص من التخلف لا بد أن يتحمل كل فرد نصيبه من الأعباء والمسؤوليات الملقاة على عاتقه وعلى عاتق المجتمع.


المصادر:
1_ القرآن الكريم
2_إبراهيم, أنيس وآخرون, المعجم الوسيط, مجلد1,القاهرة : دار المعارف, 1973.
3_ معجم العلوم الاجتماعية, إعداد نخبة من الأساتذة, تصدير ومراجعة إبراهيم مدكور, الهيئة العامة للكتاب, 1975.
4_ابن منظور, معجم لسان العرب.


التخلف والتقدم في البلدان النامية والوطن العربي

0

1- مدخل:

مع انهيار الاتحاد السوفيتي في نهاية القرن الماضي، تراجعت إلى حد بعيد الدراسات النظرية المتعلقة بالبلدان النامية، ذلك أن اهتمام الباحثين والدارسين العالميين عامة، والسوسيولوجيين منهم على وجه الخصوص بهذه البلدان، قبل هذا التاريخ، كان نابعا من كونها كانت موضع شد وجذب بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي ، وبالتالي بين وجهتي النظر البرجوازية الليبرالية والماركسية-اللينينية.


إن هيمنة النظام الرأسمالي العالمي، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، على النظام العالمي الجديد، وعودته إلى فرض إيديولوجيته على العالم كله ولا سيما البلدان النامية، بقوة السلاح والاحتلال المباشر و غير المباشر وخاصة بعد أحداث 11/09/2001، قد بدل من اهتمامات العلماء والباحثين وحوَّلها من دراسات لجسرالهوة بين البلدان المتطورة والبلدان النامية إلى كتابات سياسية حول الإرهاب والديمقراطية وحقوق الإنسان، وعودة حليمة إلى عادتها القديمة فيما يتعلق بالنظام العالمي الجديد، من حيث انطواء بنيته الأحادية على جرثومة استعمار القرن التاسع عشر سيئ الصيت.

وسيحاول الكاتب في هذه الدراسة، إعادة الاعتبار لتلك الإشكالية المتعلقة بالسؤال عن سبب تخلفنا وتقدمهم. وسوف يستخدم بالإضافة إلى مصطلح البلدان النامية، مصطلح العالم الثالث وفق ما أراد له واضعه ألفرد سوفي 1955 ليشير إلى وجه الشبه بين حالة "البلدان المتخلفة" اليوم وحالة "الطبقة الثالثة" في فرنسا عشية الثورة الفرنسية، والتي كانت رغم حجمها الكبير بالقياس إلى طبقتي النبلاء والإقطاعيين والإكليروس، مسحوقة ومضطهدة ومهمّشة.
2- في تحديد المفهوم :


إن الإشكالية التي يطرحها مفهوم التخلف، وبالتالي البلدان المتخلفة، هي إشكالية مزدوجة، تتعلق من جهة بـ "مظاهر التخلف" وتجلياته, ومن جهة أخرى ب "الأسباب"التي جعلت هذه المظاهر ممكنة وموجودة ومستمرة، سواء بالمعنى النسبي (التخلف بالقياس والمقارنة مع البلدان المتطورة) أو بالمعنى المطلق (التخلف باعتباره ظاهرة مرفوضة بحد ذاتها وبغض النظر عن وجود أو عدم وجود البلدان المتطورة) . هذا مع العلم، أنه من الصعب – كما يقرر إيف بينوت – بحق الفصل بين الجانبين، المطلق والنسبي لأنه "من يقل تخلف، يقل في الوقت ذاته أن هناك نموذجاً للتقدم مقبولاًً كمرجع وكهدف مثالي" (إيف بينوت، ما هي التنمية، دار الحقيقة، بلا تاريخ، ص 11). إنه لا خلاف حول أنه ما يزال يهيمن في مجتمعات العالم الثالث – وإن بدرجات متفاوتة بين هذا البلد المتخلف أو ذاك – البنيات التقليدية ما قبل الرأسمالية سواء تعلق الأمر بالقوى المنتجة أو بعلاقات الإنتاج أو حتى – وإن بدرجة أقل – بالوعي الاجتماعي والفردي، والتي هي بنيات متخلفة موضوعياً وتاريخياً عن البنية الرأسمالية التي يصفها كارل ماركس وفريدريك إنجلز في البيان الشيوعي بالقول "فالبرجوازية المعاصرة نفسها- كما نرى - هي نتيجة تطور طويل وسلسلة من الثورات في أساليب الإنتاج والتبادل....وكانت كل مرحلة من مراحل التطور التي مرت بها البرجوازية يقابلها رقي سياسي مناسب تحرزه هذه الطبقة .... وإن البرجوازية لا تعيش إلا إذا أدخلت تغييرات ثورية مستمرة على أدوات الإنتاج، وبالتالي على علاقات الإنتاج، أي العلاقات الاجتماعية بأسرها" (البيان الشيوعي، موسكو، دار التقدم، بلا تاريخ، ص 43-45).


ولكن ابتداء من انتصار البرجوازية ونظامها الرأسمالي، فإن عملية التطور الاجتماعي والاقتصادي في الدول الرأسمالية أصبحت تتم على حساب الدول والمجتمعات الأخرى التي تحول معظمها، وفي ظلِّ سياسة المصنع-المدفع إلى مستعمرات و/أو أشباه مستعمرات، أي إلى دول تابعة، ويبين الجدول التالي بعض الدول الأوربية ومستعمراتها عام 1947:





الدولة المستعمرة

مساحتها

( كم2 )

سكانها

( مليون نسمة )

مساحة مستعمراتها ( مليون كم2 )

سكان مستعمراتها ( مليون نسمة )


بريطانية العظمى

244.000

49.5

10.2

106.9


فرنسا

551.200

40.3

11.7

56.4


البرتغال

92.200

8.3

2.1

12.5


بلجيكا

30.500

5.5

2.4

14.5


هارالد نويبرت النظام العالمي الجديد ومشاكل العالم الثالث، بيروت 1996، ت محمد الزعبي وممتاز كريدي ص 79

وأخذت اعتباراً من هذه اللحظة تتسع الهوة والمسافة بن التابع والمتبوع، وهكذا ظهرت لأوَّل مرة في التاريخ الظاهرة العالمية التي باتت معروفة باسم "التخلُّف" وبالتالي"الدول المتخلفة".
إنَّ الإشكالية الأساسية التي يطرحها مفهوم "التخلُّف" والبلدان المتخلفة، هي بكلمات توماس سنتش إ نما تدور حول التساؤلات التالية المتعلقة ب "ماهو التخلف؟":
- هل هو الفارق النسبي بين البلدان المتطورة والبلدان المتخلفة ؟ وإذا كان كذلك فبأي وحدات يقاس هذا الفارق؟
- هل هو مجموعة ظواهر معينة تعتبر خصائص مميزة؟وإذا كان كذلك فوفقاً لأي مبدأ يتم اختيارهذه الخصائص ؟
- هل هو نظام أو بنية كلية؟ وفي هذه الحال ما الذي يجعل منه نظاماً، وما الذي يؤمن ديمومته؟
(أنظر: بروفسور ت. سنتش، الاقتصاد السياسي للتخلف، الجزء الأول، بيروت، 1978، ص 17).


ومن جهتنا، فإننا نرى أن الأمر يتعلق بهذه الجوانب الثلاثة مجتمعة، وتقع مهمة البحث العلمي أولاً في تحديد الجانب الأهم والمركزي من هذه الجوانب الثلاثة، وثانياً، في تحديد وحدات قياس موضوعية لكل من التخلف والتقدم . وبالتالي تحديد الأسباب البعيدة والقريبة الكامنة وراء استمرار وجود هذه الظاهرة غير الطبيعية على المستوى العالمي.

وبعد اطلاع الكاتب على سلسلة من التحديدات المختلفة لمفهوم التخلف والبلدان المتخلفة، وجد أن الأمر يتعلق بمجموعة البلدان التي لا يسيطر فيها أي من النظامين الرأسمالي أو الاشتراكي والتي بسبب خضوعها للاستعمار القديم والجديد والأجد (استعمارالنظام العالمي الجديد) ما تزال تحتفظ – بدرجات متفاوتة- بالبنيات والأنماط الإنتاجية ما قبل الرأسمالية,إلى جانب البنيات والأنماط الرأسمالية الشوهاء (تناضد وتعاضد الاستبداد الرأسمالي مع الاستبداد المحلّي) الأمر الذي أوقف تطورها الطبيعي وأوقعها في حالة من الركود النسبي الذي يمثل نقطة الاستناد لاستمرار تبعيتها للنظام الرأسمالي العالمي وخلق تلك المسافة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية بينها وبين المجتمعات المتطورة ، وحوَّل ظاهرة التخلف فيها من ظاهرة نسبية عارضة ومؤقتة إلى ظاهرة بنيوية على درجة كبيرة من العناد والديمومة.
(انظر المخطط في الملحق)


وجدير بالذكر هنا، أن هذه البلدان الموسومة بالمتخلفة أو النامية أو بالعالم الثالث هي ليست عالماً واحداً وموحداً . إنها مجموعة من الشعوب والأمم والثقافات الموزعة على قارات آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، والتي لكل منها تاريخه المميز وبالتالي طابع تخلفه الخاص، الأمر الذي يقتضي أن تكون له إستراتيجيته التنموية الخاصة به أيضاً في ظل الإستراتيجية التنموية العامة للبلدان النامية وبالتالي في ظل العلاقة الجدلية بين العام والخاص والتي تشير إلى أن التوجه التنموي الأساسي في البلدان النامية يتمثل من جهة في التراجع والتقلص المستمر لدور وأهمية القطاعات/الأنماط ما قبل الرأسمالية (الإنتاج الصناعي البسيط، النمط الاقتصادي– الاجتماعي الإقطاعي أو شبه الإقطاعي) ومن جهة أخرى، في الصراع الحاد بين الداخل والخارج وضمنهما على وراثة هذه الأنماط الاقتصادية–الاجتماعية التي في طريقها الى الإنقراض, ولا سيما بين الرأسمال الأجنبي الوافد (الإمبريالية العالمية وشركاتها عابرات الحدود والقارات) والرأسمال المحلي، ولا سيما الرأسمال الوطني غير التابع الذي يعتبرأن سوق بلده المحلية هي حق له وليس للرأسمال الأجنبي .

3- إشكالات البحث العلمي في البلدان النامية:


لقد علقت بمفهوم البحث العلمي لظاهرة التخلف في البلدان المتخلفة/النامية، جملة من الإشكالات المنهجية التي حالت وتحول دون التحديد الدقيق لكل من مظاهر وعوامل التخلف أبرز هذه الإشكالات:
- التداخل بين السبب والنتيجة، أو بين ما يسمى بمظاهر التخلف وعوامل التخلف. فمثلاً: هل إن كلا من الأمية والقبلية والطائفية وتغييب الديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها من مظاهر التخلف في البلدان النامية، هي سبب لاستمرارالتبعيَّة للنظام الرأسمالي العالمي أم هي أثر من آثارهذه التبعية؟. هذا مع العلم أن مثل هذا التداخل بين السبب والأثر، هو مسألة موضوعية لا يمكن استبعادها، وإنما ينبغي فقط تفهمها واستيعاب حركتها الجدلية. فكما يقول هيجّنز "إنه من السهل جداً وضع قائمة بالخواص المميزة للبلدان المتخلفة، ولكن رغبتنا في عزل العلاقات السببية بهذه الطريقة لن تتحقق لسوء الحظ لأن لكل واحدة من هذه المميزات طبيعة البيضة والدجاجة، مما يجعل الفصل بين الأسباب والنتائج أقرب إلى المستحيل. (انظر: بروفسور سنتش، مرجع سابق، ص 45).

- التداخل بين المنظورين: المطلق والنسبي للتخلف، أي هل استحقت هذه البلدان المسماة متخلفة، هذه التسمية فقط بالمقارنة مع الدول الأخرى المتقدمة (التخلف النسبي)، أم أنها مجتمعات متخلفة بالرغم وبغض النظر عن مقارنتها مع هذه الدول المتقدمة (التخلف المطلق)؟ . وأياً كانت الإجابة على هذا التساؤل فإنَّ هذا التداخل لا يمنع من جهة أن يكون مفهوم التخلف قد نشأ في أحضان النسبية (المقارنة بين الأنا والآخر) ولكنه أخذ فيما بعد طابعاً شبه مطلق، كما لا يمنع من جهة ثانية أن تقوم البلدان المتخلفة في المستقبل المنظور بكسر طوق هذا التخلف وردم تلك الهوة القائمة حالياً بينها وبين الدول المتطورة، ولا سيما في ظل هذا النظام العالمي الجديد، نظام العولمة المتوحشة الذي تضخمت فيه وبسببه أعداد كل من الأغنياء والفقراء على حد سواء إلى مدياتها غير الإنسانية وغير الأخلاقية، حيث أن "حصة الدخل التي تحصل عليها أغنى نسبة 1% من سكان العالم ، تعادل الحصة التي تحصل عليها أفقر نسبة 57%"كما أن "أغنى نسبة 10% من سكان الولايات المتحدة يعادل دخلها دخل افقر نسبة 43% من سكان العالم ، وبعبارة أخرى ، يعادل دخل 25 مليون أمريكي دخل مايقرب من بليوني نسمة" وبصورة أكثر تحديدا ، فإن "دخل أغنى نسبة 5% من سكان العالم يعادل دخل نسبة أفقر 5% من سكان العالم 114 مرّة"(أنظر: تقرير التنمية البشرة الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 2002).


- التداخل بين العوامل الداخلية والعوامل الخارجية والتي تتقاطع عملياً مع الإشكاليتين السابقتين، من حيث أن الخارج هنا هو بصورة أساسية الدول الرأسمالية المتطورة والمتقدمة على البلدان النامية، والتي بسبب أسبقية تطورها التكنولوجي وتسارعه، والناجم عما يطلق عليه الكاتب جدلية المدفع-المصنع، استطاعت أن تحتكر لنفسها التطور العلمي والتقني واللذين هما بالأصل حصيلة للتطور الحضاري العالمي بدءاً من الحضارات المصرية والعراقية والسورية القديمة، وانتهاء بالحضارةالعربية ـ الإسلامية، مرورا بالحضارتين الإغريقية والهلنستية، واستطاعت من جهة ثانية أن تحول دون حصول البلدان النامية على هذا التطور العلمي والتقني بقوة السلاح. وليس الاحتلال الامبريالي للعراق عام 2003، وقرار مجلس الأمن1747 بتاريخ (24 /03/2007) ضد البرنامج النووي الإيراني (مقابل الصمت المطبق على الترسانات النووية للدول المتطورة نفسها، وعلى الترسانة النووية الصهيونية) سوى التوكيد الملموس لهذه الحقيقة المرّة !! .
يقول إيف بينوت حول هذه المسألة بحق: "إن البلدان التي بدأ الأوربيون يفرضون سيطرتهم عليها منذ النصف الثاني من القرن الخامس عشر لم يكن، ولم يكن باستطاعتها أن تكون آنذاك في حال من الأحوال بلداناً متخلفة، وما كان يمكن أن تكون أيضاً موضوعاً لأي تصنيف تحتل فيه مرتبة دنيا..." .
(إيف بينوت، مرجع سابق، ص11)


إن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا استطاع هؤلاء الأوربيون أن يفرضوا أنفسهم على هذه البلدان؟ إن الجواب الصحيح على هذا التساؤل من وجهة نظر الكاتب هو:

- إن أوروبا (العامل الخارجي) عندما اقتحمت بلدان العالم غير الأوروبي، قد وجدت في أوضاع هذه البلدان (العامل الداخلي) عاملاً مساعداً على تحقيق مشروعها الامبريالي، ألا وهو "الاستبداد الداخلي"، وهكذا تم تزاوج الاستبداد الرأسمالي مع الاستبداد الداخلي، وكانت الثمرة الحرام لهذا الزواج غير الشرعي هو "التخلف" ذلك الابن المدلل للغرب الرأسمالي منذ أن حط كريستوف كولومبوس قدمه على الأرض الأمريكية عام 1492وحتى يومنا هذا. (أنظر: هورالد نويبرت ، مرجع سابق ، ص 7 ـ 105).


- إن هذه البلدان الأوروبية ذات التطور العالي، كانت قادرة (كما يقول غ. ميردال) على التطور مثل جزر صغيرة وسط محيط واسع من شعوب متخلفة، وقد تمكنت من استغلال هذه الشعوب كمصادر للمواد الخام، وأسواق للسلع الصناعية الرخيصة، واستطاعت أن تبقيها تحت السيطرة الاستعمارية لهذا الغرض" (انظر: بروفسور سنتش، مرجع سابق، ص206)، بل وعملت على منعها من التطور، سواء عن طريق الاعتماد على الذات، أو عن طريق الاستفادة من التطور التكنولوجي والاقتصادي والسياسي الغربي، وليس بعيداً عنا ما فعله ويفعله بوش وبلير في العراق، ويفعلانه اليوم في إيران، من أجل الحيلولة دون تطورهما العلمي والتكنولوجي، كما سبق أن أشرنا.
إن الإمبريالية العالمية تهدف وتعمل على إبقاء ثروات البلدان النامية المادية تحت تصرفها ، وإبقاء سكانها مجرد كائنات صالحة لاستهلاك منتجاتها، أي ان تفعّل مِعَدهم، وتشل أياديهم وأدمغتهم لتحول بينهم وبين أن يتحولوا إلى مواطنين عاملين ومنتجين بأنفسهم ولأنفسهم .


- إنَّ هذا يعني أن مسؤولية تصفية الآثار السلبية لدور العامل الخارجي على الوضع الداخلي في البلدان النامية ومنها وطننا العربي إنما تقع على عاتق حكومات وشعوب البلدان المتخلفة نفسها بصورة أساسية، ذلك أنه إذا كان صحيحاً أنه لا تنمية ولا تقدم مع التبعية، فإنه صحيح أيضاً أنه لا يمكن تصفية التبعية مع وجود التخلف.


- بيد أن نجاح البلدان النامية في مساعيها لكسرحلقة التخلف، سيكون محكوما بالمصاعب والإشكالات إذا ماستمرت الشروط الإقتصادية الدولية الراهنة، وإذا لم تغير الدول الصناعية موقفها وسياستها الإنمائية حيال هذه البلدان، وإذا لم توقف تصدير أزماتها إلى "العالم الثالث" (هارالد نويبرت ، نفس المرجع ، ص 90)
4 .مظاهر التخلف في البلدان النامية والوطن العربي:


إذا كان التخلف هو المرض، والتنمية هي العلاج، فإن صحة وسلامة وفعَّالية هذا العلاج، لا بد أن تكون مرهونة بالتشخيص العلمي والموضوعي والدقيق لحالة التخلف.
إنَّ مظاهر التخلف في البلدان المعنية كثيرة ومتداخلة ومتشعِّبة من جهة، وعلى درجات متفاوتة من الأهمية من جهة أخرى، ذلك أن بعضها يتعلق بالبناء التحتي (تخلف القوى المنتجة وبالتالي علاقات الإنتاج)، وبعضها يتعلق بالبناء الفوقي (أشكال الإدراك والوعي الاجتماعي)، بعضها قطري وبعضها قومي، بعضها يغلب عليه الطابع الاقتصادي وبعضها الآخر الطابع الاجتماعي والثقافي، بعضها قديم
عام يتعلق بكافة جوانب الحياة الاجتماعية، وبعضها يحتاج علاجه إلى فترة تاريخية طويلة حتى في حال توفر كل من النية والإرادة.
إننا نتفق هنا مع سمير أمين وشارل بتلهايم في ضرورة عدم التورط في سرد مطول وعقيم لمظاهر التخلف في البلدان النامية، حيث يمكن أن يؤدي اختلاط السبب مع النتيجة، والكم مع الكيف، والمهم مع العارض، الداخل مع الخارج إلى تضييع الطاسة، والابتعاد عن جوهر القضية. هذا مع العلم أن الكاتب يرجح استخدام تسمية البلدان النامية، بدل البلدان المتخلفة، ذلك أن تعبير البلدان النامية ينطوي بحد ذاته على بعد جدلي يشير إلى كل من التنمية والتخلف في آن واحد.
إنَّ هذا يعني أن مهمة الباحث الاجتماعي لا تتحدد بتشخيص المرض (التخلف) فقط، وإنَّما تتعدَّاه إلى وصف العلاج اللازم لهذا المرض (التنمية)، فإنَّه لا يجوز ولا يمكن وصف العلاج قبل التحديد الدقيق والعلمي للمرض. وكذلك في حال التنمية فإنَّه لا يجوز ولا يمكن التكلُّم عن تنمية صحيحة في البلدان النامية, قبل التحديد العلمي والدقيق لطبيعة وظواهر التخلف الرئيسية في هذه البلدان، والتي تتمثل ـ من وجهة نظرنا ـ بما هو آت:

- تخلف القوى المنتجة، ولا سيما، عنصرها الأساسي "الإنسان" وهو أمر يجد تجسيده الملموس في تلك العلاقة غير المتكافئة بين الإنسان والبيئة الطبيعية التي يعيش فيها ومنها. لقد جاء في الأمثال العربية الدارجة، أنَّ "أهل مكة أدرى بشعابها" ونحن إذ نؤكد هذا القول, إنَّما نضيف إليه، ولكن غير أهل مكة(الغرب) هم أدرى من أهل مكة بما هو في باطن هذه الشعاب، بل إنَّهم هم من اكتشف النفط واستخرجه ونهبه ووظفه في إدارة عجلة صناعته وأعاده إلينا سلعاً جاهزة للاستعمال.


- تخلف العلاقات الاجتماعية، والذي يتجسد في استمرار العلاقات الإقطاعية وشبه الإقطاعية والبطريركية والقبلية والطائفية، وفي حالة التفكك الاجتماعي وضعف التلاحم الوطني والموقف الرجعي من المرأة وهيمنة الانقسام العمودي (أنظر الشكل في الملحق) وغلبة العنصر الفلاَّحي على التركيب الاجتماعي للسكان.

- تخلف البنية الثقافية الذي يعتبر هنا سببا ونتيجة للانتشار الواسع للاميِّة الأبجدية والوظيفية ، وما يعنيه ذلك من تخلف حضاري وانقطاع عن روح العصر وتبعية فكرية وثقافية وتعصب أعمى قبلي و/ أو قومي و/ أو ديني بنتيجة هذه العزلة الفكرية عن الثقافات الأخرى . ويشير الجدول التالي إلى الفارق النسبي الكبير في معدلات الأمية بين البلدان النامية ، ولا سيما العربية منها ، والبلدان المتطوره:

تطور معدلات الأمية في العالم %





الدول

1970

1980

1990

1995

2000


دول عربية

70.7

60

48.8

43.8

38.8


دول نامية

51.9

41.8

32.6

29.6

26.3


دول متقدمة

5.7

3.4

1.9

1.4

1.1






العالم

37

30.6

24.6

22.7

20.6


(المصدر: المجموعة الإحصائية السنوية لليونسكو 1999 ص 7-11 وما بعد)


- تخلف البنية السياسية، المتمثل بتغييب دور الجماهير الشعبية، بهذه الدرجة أو تلك، وذلك لحساب طغم عسكرية و / أو مالية، زعماء تقليديين أو جدد، رجال دين، وأيضاً لحساب أشكال مختلفة من العصبية التي يعرِّفها ابن خلدون بأنها "النعرة على ذوي القربى والأرحام أن لا ينالهم ضيم أو تصيبهم هلكة ... " (المقدمة ص 225 – 226)


- النتائج السلبية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الناجمةعن ظواهر التخلف السابقة ، والتي يأتي في طليعتها : ضعف إنتاجية الفرد، تدني مستوى المعيشة، تفشي البطالة ولاسيما المقنّعة منها ، العلاقة غير السليمة وغير المتوازنة بين الرجل والمرأة (أنظر : الأمم المتحدة ، يوم المرأة العالمي 2003 ، المساواة بين الجنسين ... معلومات أساسية) ، التأويل والتفسير السطحي لمبادئ الدين بصورة عامة ، ومبادئ الدين الإسلامي الحنيف من قبل بعض رجال الدين المسلمين بصورة خاصة.

5 . تحديد مفهوم التنمية :


إنَّ هذه السمات الأساسية للتخلف، هي واقع الحال سمات عامة يمكن العثور عليها – بهذه الدرجة أو تلك – في كافة المجتمعات، بيد أنها تكتسي في البلدان النامية طابعاً خاصاً، من حيث كثافتها وسعة انتشارها، ومن حيث أثرها السلبي على عملية التنمية في هذه البلدان. إنَّ مسألة التفريق بين العام والخاص تقودنا إلى ضرورة التفريق بين مفهومي النمو Growth والتنمية Development، من حيث أن النمو هو ظاهرة طبيعة اجتماعية عامة ومستمرة تتعلق أساساً بالتفاعل الدائم بين الإنسان والطبيعة من جهة, وبين الأفراد والجماعات بعضهم مع البعض الآخر من جهة أخرى، وهي تشمل كافة المجتمعات المتقدمة منها والمتخلفة دون استثناء، أما مفهوم التنمية فإنَّه يشير إلى عملية النمو الخاصة بالبلدان النامية أي أنها شكل نوعي خاص من أشكال النمو، اقتضته ظاهرة نوعية خاصة بهذه البلدان، هي ظاهرة التخلف السائدة فيها باعتبارها – بشكل أساسي - إحدى العقابيل الأكثر سلبية للهيمنة الكولنيالية والامبريالية المباشرة و/أو غير المباشرة على هذه البلدان (التبعية) والتي ما تزال سارية المفعول إلى يومنا هذا.
إنَّ غياب الاتحاد السوفيتي في نهاية القرن الماضي قد عاد بهذه الظاهرة الاستعمارية إلى المربع الأول ، على يد المحافظين العالميين الجدد في كولنيالية القرن الواحد والعشرين ، التي يمكن أن نطلق عليها كولنيالية مابعد الحداثة ، أو كولنيالية مابعد موسكو، والتي هي أشد خطرا على البلدان النامية ، بل وعلى العالم أجمع من كولنيالية القرن 19 .
إنَّ مفهوم التنمية، وفق هذا التصوُّر، هو مفهوم حديث من جهة، وينطوي على بعد علاجي من جهة أخرى ويمكن بالتالي تحديد عملية التنمية بأنَّها "تلك الإجراءات والعمليات المصممة بوعي من قبل المؤسسات والهيئات المعنية في البلدان النامية، من أجل تفتيح كافة الطاقات المادية والروحية الكامنة في مجتمعات هذه البلدان وتوجيهها في سبيل تحرير الفرد والمجتمع من سيطرة القوى الطبيعية والاجتماعية المعرقلة للتقدم، وإذن خلق الظروف المواتية للتطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، الأمر الذي يفتح الطريق أمام ظهور مجتمع متوازن مادياً وروحياً، تنتفي منه كل أشكال معوقات التخلف ، ولا سيما معوق التبعية في صورتها الراهنة المرتبطة بقيام النظام العالمي الجديد" .
إنَّ تحديد مفهوم التنمية على هذا النحو، إنما ينطوي تطبيقياعلى المبادئ التنموية التالية:


ـ ليست التنمية إسقاطاً للجانب الاقتصادي على الاجتماعي، ولا العكس، إنها عملية مركبة تلتقي على صعيدها شبكة من العوامل والسياسات والإجراءات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والأخلاقية المتساندة وظيفياً والتي يمكن أن يؤدي غياب واحدة منها، ولا سيما الجانب السياسي، إلى إضعافها وتشويهها جميعاً.


ـ إنَّ الإنسان / الكائن البشري هو الحلقة المركزية في عملية التنموية، ذلك أنه هو من يصنع ويطور أدوات الإنتاج، انطلاقاً من حاجات ومصالح كل من الفرد والمجتمع، تلك الحاجات التي هي بدورها متطورة ومتغيرة، وبالتالي فهو يطور نفسه (وعيه وملكاته وقدراته) عبر تطويره لمحيطه، وهي العملية التي عبَّر عنها ابن خلدون بقوله: "إنَّ العلوم إنما تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة" . (المقدمة، مرجع سابق، ص 67) ذلك أنَّ الإنسان بنظره متميزعن بقية الكائنات بالفكر وأنَّ هذا الفكر هو من يخلق العلوم والصنائع وبالتالي الحضارة والعمران(نفس المرجع ص 777)


ـ إنَّ كون الإنسان هو الحلقة المركزية في العملية التنموية، إنما يشير إلى أنَّ الإنسان هو غاية ووسيلة التنمية في آن واحد وبالتالي فإنَّ تنميته (تربيته، تعليمه، تأهيله) وإكسابه المهارات النظرية والعملية التي تجعل منه مواطناً فعّالاً وخلاَّقاً ومشاركاً في العملية التنموية، تعتبر الأساس الضروري لتجاوز حالة التخلف.


ـ بيد أنَّ هذا الإنسان هو بنية مثلثة، فهو أوَّلاً، كائن بيولوجي، وبالتالي، عليه أن يأكل ويشرب وينام ويخرج ...الخ. أي ينتج ويعيد إنتاج نفسه بنفسه، قبل أن يشتغل بالعلم والأدب والفن والفلسفة، وحتى في السياسة. وهو ثانياً كائن اجتماعي، بمعنى أن عملية تأمين حاجاته البيولوجية، إنما تتم عملياً عبر الجماعة ومعها، وذلك بواسطة التقسيم الاجتماعي للعمل، والتعاون المشترك، وتكوين النظام والمؤسسات اللازمة لذلك. وهو ثالثاً كائن مفكِّر/واع، بمعنى أن حياته الاجتماعية وحصوله على وسائل عيشه لا تتم بصورة غريزية أو عفوية، وإنما وفق تخطيط مسبق يتم بموجبه تحديد الأهداف ومن ثمَّ طُرق الوصول إليها.


ـ إنَّ هذه البنية المثلثة للكائن البشري، تربطه، من جهة، بالمجتمع الذي يعيش فيه كمواطن ربطاً محكماً حيث أنَّ الغالبية العظمى، من آرائنا وميولنا، ليست من صنعنا، وإنما تأتينا من المجتمع كقوالب جاهزة ومسبقة الصنع، بما في ذلك اللغة والدين ومنظومة القيم السائدة ... الخ (قارن: أميل دوركهايم، قواعد المنهج في علم الاجتماع، مكتبة النهضة المصرية . 1961 ص54) وتطرح من جهة أخرى على الفكر الفردي والجماعي التنموي إشكالية نظرية وعملية، تتمثَّل بالسؤال: "من سيُنمِّي من وكيف؟" وهي إشكالية تضعنا وجهاً لوجه أمام إشكالية أخرى، ألا وهي مسألة السلطة السياسية التي تقع عليها مسؤولية قيادة العملية التنموية، والتي عادة ما تملك مفاتيح : المدرسة (التنشئة الاجتماعية), والخزينة (المال)، والسجن (القوة)، وبالتالي مفاتيح القرار التنموي سلباً وإيجاباً.

ـ إنَّ التنمية مسألة وطنية داخلية، لا يمكن استيرادها، ولا فرضها من الخارج وذلك لسببين: الأوَّل، هو صعوبة أن يستطيع وعي تكوَّن في ظل ظروف اجتماعية مغايرة، أن يستوعب – انطلاقاً من بنيته الخاصة- الظروف الاجتماعية لمجتمعات أخرى بصورة صحيحة وشاملة، والثاني هو أنَّ مفهوم التنمية ينصرف أساساً إلى الإنتاج والإبداع الذاتي وليس إلى الاستهلاك والتقليد الأعمى، وهو ما يعني أنَّ تنمية القوى المنتجة المحلية وعلى رأسها المواطن والاعتماد على النفس إنما تقع في صميم مفهوم التنمية في البلدان النامية. إنَّ التنمية وفق هذا التصوُّر هي فرض عين على كل مواطن وليس فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الجميع، الأمر الذي معه تتكافأ التنمية واقعياً بل وتتماهى مع الديمقراطية ، أي أن الديمقراطية والتنمية يمثلان وجهان لعملة واحدة في البلدان النامية .


ـ التنمية عملية تاريخية تراكمية مستمرة ومتصاعدة تلتقي على صعيدها خبرات الأجيال الماضية مع خبرة الجيل الحاضر، سواء على المستوى الوطني أو القومي أو العالمي ،


ـ التنمية قضية إنسانية وأخلاقية، حيث لا يجوز (بحجة تسريع التنمية) استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، سواء ضمن الأمة نفسها، أو عبرالأمم، ولا أن يستحوذ الجيل الحاضر على نصيب الأجيال القادمة من الموارد والثروات الطبيعية ولا سيما النافذة منها، كما لا يجوز أن تتم التنمية على حساب الإضرار بالبيئة و/ أو تشويهها (كما هي حال ثقب الأوزون.أو استغلال الغابات بشكل عشوائي مثلاً)، ولا على حساب الديمقراطية وحقوق الإنسان وهيئات المجتمع المدني.


ـ إنَّ إشارتنا إلى أنَّ الإنسان الذي هو غاية ووسيلة التنمية في آن واحد ذو بنية ثلاثية الأبعاد (بيولوجي، اجتماعي، مفكر)، تضعنا أمام بعد خاص رابع يتعلق بمجمل الأبعاد الثلاثة السابقة، ويتمثّل هذا البعد، في أنَّ الإنسان المعني قد يكون: رجلاً أو امرأة، طفلاً أو شاباً أو شيخاً، عاملاً أو عاطلاً عن العمل، معاقاً أو سليماً، متعلِّماً أو أميَّاً، فقيراً أو غنيّاً، مالكاً أو غير مالك، من الطبقة العليا أو الوسطى أو الدنيا، مسلحاً أو أعزل، مقيماً أو مهاجراً، حاكماً أو محكوماً، عاملاًً أو فلاحاً، طالباً أو معلِّماً، مستغِلاً أو مُستَغَلاً ... الخ، وإذن فإنَّ الحقوق والواجبات التنموية المترتبة على هذا الإنسان / المواطن إنَّما تتحدد عمليا بانتمائه إلى واحد أو أكثر من جوانب هذا البعد الرابع التي أتينا على ذكرأهمها أعلاه.

6 – الدور السلبي لمثقفي السلطة:


يمثل عنصر تنمية الوعي السياسي للمواطن – من وجهة نظر الكاتب- العنصر الأساسي والشرط المسبق لبقية عناصر التنمية (تعظيم الإنتاجية وممارسة الديمقراطية)، ذلك أن تغييب الدور السياسي للجماهير في البلدان النامية، كان وما يزال السبب والنتيجة معاً لتخلف الوعي السياسي لدى كل من المحكوم والحاكم. إنَّ ما تجدر الإشارة إليه بهذا الصدد، هو أنِّه إضافة إلى القوى الامبريالية والفئات الاجتماعية والاقتصادية المحلية المرتبطة بها، فإنَّ شرائح كبيرة من المثقفين غير العضويين (الأفندية / مثقفي السلطان) في البلدان النامية ولا سيما أولئك الذين تربوا على موائد وعوائد الدول الغربية، قد أسهموا في تنمية وعي مشوَّه وزائف لدى جماهير البلدان النامية، والتي في معظمها جماهير فقيرة وبسيطة وأميَّة. ويتمثّل هذا الوعي المشوّه والزائف بصورة أساسية ب.


- إشاعة الطابع الاستهلاكي الغربي، القائم أساساً على استيراد المنتوجات الغربية الجاهزة.


- تجاهل دور التبعية في خلق وإدامة التخلف وتشويه تاريخ وثقافة البلدان النامية.


- محاولة سحب موديلات النمو التي تعلَّموها في الغرب بشكل ميكانيكي على عملية التنمية في بلدانهم.


- محاولتهم تنشئة الأجيال على صورتهم عبر سيطرتهم على مؤسسات التربية والتعليم والتأهيل والإعلام والقمع والتمويل


- إضعاف عنصر الإبداع الذاتي والاعتماد على النفس في بلدانهم بترويجهم ل "النموذج المثالي" الغربي الجاهز.
القبول بدور "مثقف السلطة" الذي يسخّر معرفته العلمية في خدمة النظام السياسي القائم، حتى في حال كون هذا النظام قمعياً وديكتاتورياً ومتعارضاً كلياً أو جزئياً مع المصالح المشروعة للأغلبية الساحقة من جماهير


7 – الدور المزدوج للأقليات في العملية التنموية :


يتميز التركيب الاجتماعي في البلدان النامية- كما سبق أن ذكرنا- بالتداخل والتشابك بين الانقسامين العمودي والأفقي ، وغالباَ ما يخلق هذا التداخل والتشابك أمام العملية التنموية إشكالات اجتماعية وسياسية تتمثّل بصورة أساسية بالدور الذي تلعبه "الأقليات" (الدينية، الطائفية، القومية، اللغوية، القبلية، الفئوية، الطبقية، الجهوية) في الحياة العامّة للمجتمع، وبالتالي في العملية التنموية، من حيث أنَّ هذه الأقليات يمكن أن تلعب دوراً ايجابيّاً وبنّاءً عندما تكون في المعارضة (خارج الحكم)، بيد أنَّ هذا الدور الايجابي والبنّاء عادة ما ينقلب إلى نقيضه إذا ما تصادف أن وصلت إحدى هذه الأقليات إلى السلطة عن غير طريق الديمقراطية وصندوق الاقتراع، أي عن طريق الخداع أو القوة (قوة الجيش، أو قوة العصبية من أي نوع كانت)، وآية ذلك – من الناحيتين العلمية والعملية- أنَّ من وصل إلى الحكم عن غيرطريق الديمقراطية وصندوق الاقتراع، فإنَّ استمراره بالحكم لا بد وأن يكون رهناً بتغييبه واستبعاده هذين العنصرين من الحياة السياسية العامة (الديمقراطية وصندوق افقتراع), أي عملياً استبعاد الغالبية الساحقة (الأكثرية) من الشعب عن المشاركة في القرار السياسي وبالتالي عن كافة المجالات الأخرى ذات الصلة، ولا سيما المجالين الاقتصادي والثقافي.وليس بعيدا عنا مثال العديد من الحكام العرب في الماضي والحاضر الذين استعانوا على شعوبهم بالقوى الأجنبية أو بالأقليات المحلية ، أو بهما معا.

8 – خصووصية الوطن العربي في مجالي التخلف والتنمية :


إنَّ الوطن العربي هو جزء من العالم الثالث، وهو خاضع من هذه الناحية لذات القوانين الاقتصادية والاجتماعية التي تحكم المسيرة التنموية لهذا العالم . وبالاستناد إلى مقولة "العام والخاص" الجدلية، فإنَّ الوطن العربي يمتلك هويته الخاصة وطابعه المميز، وإذن فإنَّ لظاهرة التخلف فيه، وبالتالي للعملية التنموية، أيضاً طابعها الخاص والمميز، والذي يتمثّل بصورة أساسية بالآتي:


- العلاقة الخاصة والمميزة بين العرب كأمَّة، والإسلام كدين,


- التجزئة التي حالت وتحول دون التطابق بين حدود الأمة وحدود الدولة,


- الحجم الكبير نسبياً لظاهرة الأقليات بمختلف أشكالها وأنواعها,


- الدور الكبير الذي ما تزال تلعبه العلاقات القبلية والعشائرية في الحياة الاجتماعية والسياسية العامة,


- القضية الفلسطينية بكل أبعادها القطرية والقومية والدولية,

- النفط (والبترودولار الريعي المرتبط به) الذي لعب ويلعب دور مسمار جحا في جلب القوى الاستعمارية إلى المنطقة، والسماح لها بالتحكم بمصير الوطن العربي .
وإذا كنا نرى أنه كان وما يزال لكل من هذه الظواهر تأثيرها المباشر و/أو غير المباشر على العملية التنموية، فإننا نرى أيضا أنَّ بعضاً منها هو الذي لعب و يلعب الدور الرئيسي في هذه العملية (سلباً و/أو إيجاباً) كما سنوضح ذلك لاحقاً.

9 – دور التجزئة القومية :


تتكوَّن الأمَّة العربية الواحدة من أكثر من عشرين دولة ودويلة جعلتها التجزئة والتبعية على درجات متفاوتة من التطور الاجتماعي والاقتصادي، الأمر الذي ينطوي بحد ذاته على إعادة إنتاج هذه التجزئة والتبعية بل وتعميقهما، وإذن استمرار الدوران في الحلقة المفرغة التي تبدأ بالتخلف لتعود إليه. وإذا ما عرفنا أنَّ حجر الأساس في التنمية الشاملة هو "التنمية الاقتصادية"، وأنَّ جوهر هذه التنمية هو التصنيع وتطوير القطاع الزراعي، وأنَّ هذا التصنيع لا بد أن يقوم على أساس مجموعة من الصناعات الثقيلة التي لا تكون ذات جدوى اقتصادية إلاَّ ابتداءً من حجم إنتاجي معين – مليون طن من إنتاج الصلب مثلاً – (انظر: إسماعيل صبري عبد الله، في التنمية العربية، القاهرة 1982، ط2، ص 24 ـ 30)، إذا ما عرفنا كل ذلك، فإنَّه يبدو للعيان أنَّ حالة التجزئة القومية التي نحن عليها الآن، إنما تتكافأ إن لم نقل تتماهى مع حالة التخلف والتبعية، بل وتتعيَّش عليهما، إنَّها الضلع الأهم في مثلث التاءات الثلاث (التجزئة، التبعية ، التخلف) حسب تعبير نادر فرجاني (انظر:عن غياب التنمية في الوطن العربي، في عادل حسين وآخرين، التنمية العربية– الواقع الراهن والمستقبل، بيروت1984،ص32) .


هذا مع العلم أنَّه يمكن توسيع هذه التاءات إلى سبع، بحيث تشمل بالإضافة إلى تاءات نادر فرجاني الثلاث المذكورة أعلاه كلاً من التشرّد (تشرّد الشعب العربي الفلسطيني في الشتات) والتسلّط (غياب الديمقراطية السياسية والاجتماعية) والتشدُّق (المسافة الكبيرة بين القول والفعل أو بين النظرية والممارسة ولا سيما عند الحكام العرب)والتطرّف (اليميني منه واليساري) الذي يبتعد بالمرء وبالمجتمع عن الاعتدال والوسطية ، وربما يلقي بهما في أتون الإرهاب والتهلكة . إنَّ القضاء على التجزئة وفق هذه الرؤية هو ضرورة تنموية بقدر ما هي ضرورة وطنية وقومية .

10- دور الإستعمار الإستيطاني الصهيوني:


إنَّ الاستعمار الاستيطاني الصهيوني لجزء من الوطن العربي (فلسطين)، إنَّما يمثّل – كما سبق أن أشرنا – مسمار جحا الحلف الامبريالي- الصهيوني، الذي تم ويتم من خلاله المحافظة على وجود وعلى استمرارية تلك السلبيات السبع التي ذكرناها أعلاه، ولا سيما التبعية والتجزئة، ركيزتا التخلف وتعطيل التنمية الأساسيتان، وذلك من خلال:
ـ فرض استهلاك قسم كبير من الفائض الاقتصادي وتوجيهه بدلاً من التنمية إلى شراء الأسلحة الخردة من الدول الصناعية "المتقدمة" والتي عادة ما يجري تنسيقها واستبدالها بخردة جديدة من الدول نفسها كل بضع سنوات، وضمن صفقات مشبوهة بين الأنظمة العربية المعنية وبين شركات صنع واحتكار السلاح الغربية. إنَّ جيوش ما تسمّى بدول الطوق العربية تستهلك من ميزانية الدولة, أي من ثروة المجتمع منذ عام 1948 وحتى الآن أكثرمن نصفها، مقابل سلسلة من الهزائم العسكرية المخجلة أمام "إسرائيل" والتي جعلت الحكام العرب المعنيين، يستجدون إسرائيل في أن تعيد إليهم الأراضي التي احتلتها منهم عام 1967 مقابل أن يتبرّؤوا من فلسطين ومقدَّساتها الإسلامية والمسيحية (الأرض مقابل السلام !!) ويرفعوا علم "أرضك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل" فوق بيوتهم بل وفوق رؤوسهم أيضاً(التطبيع) وليست مبادرة السلام التي ابتدأت سعودية في بيروت عام 2002 وانتهت عربية في الرياض عام 2007 سوى التعبير الملموس والمؤسف عن هذا الاستسلام العربي لإسرائيل وبالتالي للولايات المتحدة الأمريكية وعلى حساب فلسطين أرضاً وشعباً ومقدسات.

وحسب الدكتور علي عبد الباقي في مقال له استخرجناه من الحاسوب بعنوان "دعوة إلى إلغاء الجيوش العربية" فإنه بالرغم من "أن الإنفاق على الأسلحة في العالم تراجع بعد انتهاء الحرب الباردة إلى 2.4 % في المتوسط عام 1996 إلاّ أن النسبة ظلت مرتفعة بين العرب عند 7.8 ، وفي عام 1997 أنفقت البلدان العربية 35.7 مليار دولار على الآسلحة ، وارتفع الرقم إلى 38.7 عام 1998" ويعلق صاحب المقال على هذه الأرقام بقوله "وهكذا فإن العرب ينفقون على أغراض التسلح وشراء الأسلحة الجديدة من الدول الغربية بما يعادل 60 مليار دولار سنوياً سرعان ما تتحول إلى "خردة" في المخازن أو في رمال الصحراء نتيجة عدم الاستعمال. في حين أن ميزانيات البحث العلمي في عموم الدول العربية لا تتجاوز 600 مليون دولار سنويًا، رغم أن الإنفاق على البحث العلمي من الممكن أن يساعد العرب على تحقيق الاكتفاء الذاتي في مرحلة تاريخية معينة في إنتاج السلاح لو كان هناك تخطيط إستراتيجي بعيد المدى لتعزيز استقلالية الإرادة الوطنية عن الغرب"


ـ انتهاك الحياة الديمقراطية للمجتمعات العربية نتيجة سيطرة الجيش على الحياة السياسية والمدنية بحجة "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" الصوت الذي ينطبق عليه المثل العربي المعروف "أسمع جعجعة ولا أرى طحناً !!" بل إنَّ الجعجعة نفسها قد اختفت بعد هزيمة أنظمة الطوق عام 1967، لتحل محلَّها المقاومة في فلسطين والعراق ولبنان والتي نأمل أن لا تخذلنا بدورها، كما خذلنا أولئك الحكام المحسوبون زوراً وبهتاناًعلى أمَّتنا وعلى ديننا وعلى لغتنا وعلى تاريخنا .


ـ النتائج الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية المترتبة على تشرد الملايين من أبناء شعبنا الفلسطيني في الشتات وبقاءهم بدون هوية أو وطن والمطلوب حالياً(بموجب مبادرة الرياض العربية ! التي لم ولن يدخل عليها أي تعديل !!!) تجريدهم حتى من الأمل، أي من حق العودة الذي كفله لهم القرار 194 الصادر في 11/12/ 1948 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة وقبله القرار رقم 181 لعام 1947 الذي منحهم نصف أرض فلسطين بدلا من 20% القابلة للنقصان التي يتحسن بها عليهم الآن مؤتمر القمة العربية في الرياض ، تحقيقا لرؤية بوش المؤامرة ، والتي راينا ونرى آثارها المؤسفة والمؤلمة في المعاملة الهمجية واللاإنسانية للاّجئين الفلسطينيين في العراق من قبل حكومات وكلاء بوش بعد عام 2003 ، أي في ظل الإحتلال ، والذين تشهد مخيماتهم القائمة الآن على الحدود السورية العراقية والأردنية العراقية على صحة مانقول .


ـ تشكيل حاجز مادي بشري وجغرافي بين مشرق الوطن العربي ومغربه، وما يعنيه ذلك من عرقلة فعلية لعملية التكامل الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي بين أقطار هذا الوطن، تلك العرقلة التي لم تقم أنظمة الجامعة العربية وعلى رأسها أنظمة "الصمود والتصدي !!"، بأي جهد حقيقي لتجاوزها وإفشال المخططات الامبريالية التي راهنت على الدور الإسرائيلي في تعميق التجزئة
وضرب فكرة الوحدة العربية، وتعطيل عملية التنمية.

11. الدور المزدوج للنفط في عملية التنمية في دول الخليج:


وبدوره فإنَّ النفط قد لعب دوراً بارزاً ومتناقضاً في الحياة العربية. فظهور النفط والغاز بكميات كبيرة في بعض الأقطار العربية دون البعض الآخر، قد أضاف عاملاً جديداً إلى عوامل التجزئة القومية بقسمه الأقطار العربية إلى أقطار غنية وأخرى فقيرة من جهة، وإلى تشويهه العملية التنموية في الدول النفطية من جهة أخرى.
إن النفط الذي هو ثروة طارئة وآيلة عاجلاً أم آجلاً للنفاذ، و ثمرته المتمثلة بالبترودولار الريعي الذي عرَّفه أحدهم بأنَّه "كل نوع من الدخل يحصل عليه الإنسان دون أن يتحمل في سبيله أي عناء" (انظر: مراجعة كامل الزهيري، الموسوعة الاشتراكية، مطبعة دار الكتب ببيروت، بلا، مادة ريع). قد وفَّر للدول النفطية عنصر التمويل الكثيف ولكن – مع الأسف - غير المشفوع بالأيادي والعقول الوطنية، حيث كان وما يزال اكتشاف واستخراج وتحويل واستهلاك مادة النفط كله بأيادٍ وعقول أجنبية، الأمر الذي حال دون تحول المواطن في هذه الدول إلى إنسان منتج وفاعل في العملية التنموية وليس فقط مستهلكاً كسولاً لما ينتجه الآخرون!. إنَّ توفر رأس المال للتنمية هو "شرط لازم ولكنَّه ليس كافياً" على حد تعبير يوسف صايغ (انظر: يوسف صايغ، مقررات التنمية الاقتصادية العربية، الجزء الثالث، بيروت 1985، ص 95- 97).
ويتمثَّل الخلل في العملية التنموية في الدول النفطية، ولا سيما دول الخليج العربي، بصورة أساسية ب:


ـ لقد أدى التضخم الريعي السرطاني المتواصل لعائدات النفط في الدول المعنية إلى تضخم سرطاني مقابل استيرا د السلع الاستهلاكية الأجنبية، وخاصة من الدول الرأسمالية، علماً أنَّ هذا الاستيراد غالباً ما تركز على السلع الكمالية دون الحاجيّة، وأدى إلى سلوك استهلاكي بذخي اتكالي واغترابي للفرد والمجتمع، وإذن إلى مزيد من التبعية والارتباط بالنظام الرأسمالي العالمي.


ـ لقد أصبح الريع المتأتي عن تصدير النفط الخام في الدول المعنية هو المصدر الوحيد لتغطية الإيرادات، وهو ما أخلَّ إخلالاً خطيراً بالآلية الاقتصادية في المجتمع، وجعل العلاقة بين مستوى إنتاجية أفراده ومستوى استهلاكهم علاقة شبه معدومة على حد تعبير الدكتورعلي خليفة الكواري.(انظر : مجلة دراسات عربية، نوفمبر 1987، ص 30)


ـ إنَّ هذا الخلل في العملية التنموية في الدول النفطية / الريعية، وخاصة في منطقة الخليج العربي، أدى إلى أن تتحول الدولة – العشيرة في هذه المجتمعات إلى المصدر الرئيسي لتوزيع الدخل النفطي، الأمر الذي أدَّى إلى خلل اجتماعي- اقتصادي، تمثَّل في قيام السلطات القبلية الحاكمة في هذه المجتمعات ببناء قاعدة تحتية خدمية واسعة وحديثة ومعتمدة على الخبرة الأجنبية أساسا، دون أن يؤثر ذلك على العلاقات الاجتماعية القبلية السائدة، ذلك إنَّ العنصر المحرَّك لهذه العلاقات ليس هو الإنتاج (الذي هو بيد الأجنبي) وإنَّما هو توزيع عوائد هذا الإنتاج على السكان / المواطنين، وهو حصراً بيد الدولة ـ العشيرة التي نصّبها هذا الأجنبي. لقد عبر الدكتور محمود عبد الفضيل عن مثل هذا النوع من الإقتصاد باقتصاد الفقاعة،والذي يجد نموذجه الأمثل في الثورة الإسمنتية التي تجسدالفقاعة التنموية في دبي .


ـ إنَّ الاقتصاد المعتمد على تصدير سلعة بعينها كسلعة النفط، لا بد وأن يكون اقتصاداً تصديرياً مفتوحاً ترتبط فيه التنمية المحلية صعوداً وهبوطاً مع اتجاهات العرض والطلب العالمية على النفط .


ـ اتساع الهوَّة الثقافية بين الواقعين المادي والروحي لكل من الفرد والمجتمع . من حيث أنَّ الواقع المادي في دول البترودولار الغنية بات أقرب إلى الحداثة (المنتجات التكنولوجية بمختلف أنواعها وأشكالها) بينما ظلَّ الواقع الروحي (العادات والتقاليد ومنظومة القيم السائدة) أقرب إلى مرحلة المجتمع التقليدي السابق على التشكيلة الرأسمالية.
ـ لقد وظفت أموال النفط في العديد من الدول النفطية ، ولاسيما في بعض دول الخليج ضد حركات التحرر الوطني العربية العربية عامة ، وضد المقاومة الوطنية الفلسطينية بالذات ، الأمر الذي اوقع هذه المقاومة في براثن مؤتمرات القمة العربية ، والتي كان آخرها مؤتمر الرياض الذي استبدل لاءات الخرطوم الثلاث المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي (لااعتراف ، لاصلح ، لاتفاوض) بنعمات جديدة ثلاث تفوح منها رائحة النفط ونتن الإستسلام والذل هي : (نعم لحق إسرائيل في 80% من أرض فلسطين ، نعم لاستجداء التفاوض معها ، نعم للسلام كخيار استراتيجي عربي) ، أي عمليا نعم للتنازل عن كافة قرارات الأمم المتحدة الإيجابية وشبه الإيجابية ، المتعلقة بالقضية الفلسطينية ، ولا سيما القرارين 181 لعام 1947 (قرار التقسيم) ، وقرار 194 لعام 1948 (حق العودة).


ـ كما تم توظيف هذه الأموال ، بصور مختلفة ، مباشرة و/ أو غير مباشرة في امتصاص النفس الثوري عند العديد من الكوادر والمنظمات اليسارية، وتحويلها بشكل مدروس إلى نوع من خدام السلاطين!!. (لقد عقد أحد أجنحة الحزب الشيوعي السوري مؤتمره السنوي في دمشق، تحت شعاريعلن تأييد الحزب للديكتاتور حافظ الأسد !!، كما أن الأمين العام للحزب الشيوعي العراقي قد كان وما يزال عضوا بارزا وفعّالا في كل الحكومات الطائفية التي فبركها الأمريكيون المحتلون بعد عام 2003)

12- الدور المزدوج للتراث في العملية التنموية :


إنَّ الجزء الأكبر من خصوصية ثقافة ما، إنَّما يعود إلى التاريخ الخاص بهذه الثقافة. وبالنسبة للأمَّة العربية فإنَّ أحداً لا يستطيع أن ينكر، أنَّ هذه الأمة قد سجلت ذات حقبة من تاريخها وعبر صلتها العضوية بالإسلام حضوراً حضارياً عالمياً بارزاً أكسب ويكسب أبناءها الثقة بالنفس، ويجعلهم أكثر قدرة على رفض واقعهم المشوه والمتخلف وبالتالي تجاوزه إلى واقع نهضوي جديد أفضل وأرقى، يقوم على الربط الجدلي المتين بين الماضي والحاضر والمستقبل وبالذات بين العروبة والإسلام.
إننا إذا كنا نتفق مبدئياً مع محمد عابد الجابري، في أنَّ الخطاب العربي المبشر بالنهضة، هو خطاب توفيقي متناقض محكوم ب "سلف" (انظر: م.ع. الجابري تكوين العقل العربي، بيروت 1985، ط2، ص 13)، فلا بُدَّ أن نشير إلى أنَّ مسؤولية ذلك الخطاب التوفيقي المتناقض لا تقع على السلف، وإنَّما على عاتق "الخلف" فالموروث الثقافي لأي أمة أو جماعة عادة ما ينطوي – بحد ذاته- على النقيضين "الحفز والإعاقة" وتقع على الجيل الحاضر مسؤولية التعامل مع هذين الحدين بشكل عقلاني وموضوعي، وبما يؤدي إلى توظيف هذا الموروث الثقافي في خدمة عملية التطور الاجتماعي والاقتصادي ودفعها نحو الأمام والأعلى وليس العكس، ورحم الله ابن خلدون الذي أطلق على كتابه الشهير اسم "كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر .."، مشيراً بذلك إلى أنَّ العودة إلى التاريخ/الماضي إنَّماهو لأخذ العبرة فقط، أي لتجنُّب الأخطاء والعثرات التي سبق أن وقع بها من سبقنا، وهو ما يساعدنا على أن تكون خطواتنا نحو مستقبل أفضل أسرع وأرسخ من خطوات آبائنا وأجدادنا، ولا سيما بعد التخلص من نير التبعية، والعوائق الكولنيالية البغيضة. لقد ورد في الحديث الشريف قول رسول الله (ص) "أرى الرجل فيعجبني ، فإذاقيل لي لاصنعة له سقط من عيني" ، وقوله في يد اخشوشنت بسبب العمل "هذه يد يحبها الله ورسوله" وقوله في الحض على العلم والتعلم "أطلب العلم ولو بالصين" ألا تصلح مثل هذه الأحاديث النبوية ،وغيرها الكثير الكثير ، لكي تكون منطلقا تراثيا أصيلا لتنمية عربية معتمدة على الذات وتربط بين الماضي والحاضر والمستقبل ربطا عضويا متيناً وخلاّقا يرتكز إلى مايمكث في الأرض ، اي إلى ماينفع الناس وليس إلى الزبد الذي سيذهب هباء .

13. الجوانب السلبية في علاقاتنا الإجتماعية وأثرها على التنمية:


إنَّ إشارتنا إلى الجانب الايجابي من تاريخنا وتراثنا (عوامل الحفز) لا تمنعنا من الإشارة في ذات الوقت إلى الجوانب السلبية في هذا الماضي وهذا التراث (عوامل الإعاقة)، والتي يمكن تحديدها على النحو التالي:


ـ إنَّه بنتيجة دخول العرب في مرحلة ما سميَّ بـ "عصر الانحطاط" الذي شهد ابن خلدون بداياته، ووصفه بقوله "وكأنَّي بالمشرق قد نزل به مثل ما نزل بالمغرب على نسبته ومقدار عمرانه، وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض فبادر بالإجابة" (المقدمة، مرجع سابق، ص 53) أخذ الوعي العربي يعوذ بالماضي، حيث "العصر الذهبي" الأمر الذي أدَّى إلى ضمور حس الحاضر والمستقبل عند الفرد العربي والأمة العربية. إنَّ لحظة الماضي لا بد أن تكون مرتبطة ارتباطً عضوياً بلحظتي الحاضر والمستقبل، وعندما تتراخى هذه الصلة بين أضلاع هذا المثلث الجدلي (الماضي ـ الحاضر ـ المستقبل) عند شعب ما، فإنَّ ذلك سوف يكون بالتأكيد على حساب الحس الاجتماعي والتاريخي السليم لذلك الشعب .
هذا و تتجسَّد ظاهرة ضمورالوعي الاجتماعي والحس التاريخي في المجتمعات العربية بصورة أساسية بـ :


ـ هيمنة العلاقات الاجتماعية العمودية (العصبيات القبلية والدينية والطائفية والإقليمية) وذلك على حساب الوعي القومي والديني السليم، المنفتح على كافة القوميات والأديان الأخرى من جهة، وعلى حساب الترابط المصلحي ذي البعد الطبقي المشروع (أخوة المستضعفين في الأرض) من جهة أخرى.


ـ الدور السلبي الذي يلعبه جزء من نظام القيم السائدة، والذي لخصه الدكتور حليم بركات بالتالي: "انطلاقاً من إيديولوجية عائلية هرمية على أساس الجنس والعمر (الأب معيل والنساء والأبناء عيال) تعمم دور الأب إلى العمل .. والتربية والسياسة والعبادة (الأستاذ والحاكم ورجل الدين آباء والتلاميذ والمواطنون والمؤمنون أبناء) ، (حليم بركات المجتمع العربي المعاصر، بيروت 1984 ص448) .


ـ ويدخل في إطار الجانب السلبي الذي يلعبه الموروث الثقافي العربي ظاهرة البطرياركية، التي سمحت لنصف المجتمع (الرجال) أن يتسلط على نصفه الآخر(النساء) تحت ذرائع وحجج ما أنزل الله بها من سلطان، مع ما لهذه الظاهرة من أثر بالغ السلبية على العملية التنموية ككل.


ـ إنَّ علينا أن نعترف دونما وجل أو خوف، أن جانباً من ماضينا ما عاد صالحاً لحاضرنا ولا لمستقبلنا، ولا بد لنا من تجاوزه، وأن جانباً آخر من هذا الماضي ما يزال مفيداً لحاضرنا ومستقبلنا ويمكن بل ويجب استلهامه ، وأن جزءا ثالثا مايزال ضروريا لحاضرنا ومستقبلنا وينبغي علينا تبنيه ، سواء في حياتنا الاجتماعية عامة أو في العملية التنموية خاصة ، متفقين في هذا مع تصور مماثل للدكتور الطيب تيزيني (أنظر : الطيب تيزيني ، من التراث إلى الثورة ، داردمشق ، دمشق 1979 / الفصل الخامس ، ص 721 ـ 798) .

14.التحدي القوي والإستجابة الضعيفة:


إنَّ ضمور كل من الحس التاريخي والحس الاجتماعي عند العرب في عصر الانحطاط، قد أدى إلى ضمور الحس القومي لديهم أيضاً، وهكذا حين فاجأهم التحدي الأوروبي في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وكان أكبر وأقوى من إمكاناتهم بما لا يقاس، كانت استجاباتهم على هذا التحدي، بما فيه تحدي اتفاقية سايكس-بيكو ووعد بلفور ، عاجزة ومحدودة تجسدت بصورة أساسية بـ :


أ ـ الهروب إلى الوراء حيث السلف الصالح والعصر الذهبي الذي كان فيه آباؤهم يثيرون رعب آباء الذين يحكمونهم ويتحكومون بمصيرهم اليوم(التياران القومي والإسلامي)(أنظر: فرانس فانون ،معذبو الأرض ،بيروت 1963ص200)


ب ـ الهروب إلى أمام ذات اليمين و ذات اليسار حيث النموذج المثالي الأوروبي الجاهز للتنمية والتقدم (اللتياران الليبرالي والماركسي)


ج ـ الدوران حول الذات في ظل شعارات ومواقف تتراوح بين التوفيق والتلفيق (جماعة الطريق الثالث المتنوعة) .
وهكذا وفي ظل هذه الإستجابة الضعيفة والمرتبكة وغير الموحدة ، وغير العلمية ، بل وأحيانا غير الوطنية لتحدي التفوق الأوروبي ترسخ في وعي الإنسان العربي بهذه الدرجة أو تلك وبهذه الصورة أو تلك قيم التبعية والتسلط والتجزئة على حساب قيم الوحدة والديمقراطية والاعتماد الجماعي على النفس.

15. الأنظمة العربية والتقدم نحو الخلف:


في ظلِّ هذا المناخ والأرضية الملائمة، اجتاحت المدافع والبضائع والمطابع الأوروبية البلاد والعباد، فترسَّخت التجزئة وترسَّخت التبعية، وترسخ بهما ومعهما التخلف وكان وعد بلفور، وكانت إسرائيل. ولمَّا كان لا بد للمحافظة على هذا الوضع الشاذ والغريب من أداة حكم محلية، تقبل بالتبعية وترعى قيم التخلُّف، وتزيِّف الوعي الفردي والجماعي، وتبقي الأبواب والنوافذ مفتوحة بين الذئب والحمل، فكانت الرجعية العربية والتي تمددت بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر لتشمل كافة النظمة العربية من المحيط إلى الخليج ، ولاسيما كامب ديفيد أنور السادات ، وحركة حافظ الأسد التصحيحية ، وأوسلو محمود عباس ، ووادي عربة صاحب الجلالة ، وحكومات المنطقة الخضراء الطائفية في بغداد.
إنَّ مفهوم الرجعية العربية يتسع في مفهومنا ليشمل كل الطبقات والفئات والقوى والأنظمة والعناصر الطفيلية المستغِلِّة والمتسلِّطة ، التي تعيش على حساب الجماهير العربية الفقيرة والكادحة، وترتبط بسبب هذا ومن أجله – بصورة أو بأخرى- بالمشاريع الامبريالية العالمية عامة وببريطانيا العظمى والولايات المتحدة على وجه الخصوص، وتلتقي مع هذه الامبريالية في معاداة كل من الديمقراطية والوحدة العربية وأيضاً في حرص الطرفين على ديمومة ظاهرة التخلف بوصفه العمود الفقري الذي ترتكز إليه منظومة القيم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية المرتبطة بهذه الظاهرة في الوطن العربي. إنَّ الديمقراطية هي أقصر الطرق إلى التنمية السليمة، ولذلك فإنَّ أنظمة الأقليات القبلية والدينية والطائفية والعرقية تُعتَبر النقيض الموضوعي للديمقراطية وللتقدم ، وبالتالي للعملية التنموية في كافة البلدان النامية، وهي تدخل حكماً تحت مفهوم الرجعية، حتى ولو رفعت شعارات تقدمية على سبيل التضليل والتدليس.

16.الجامعة العربية والصعود إلى الصفر:


لقد صدر عن جامعة الدول العربية، قبل أن تشيخ وتتحول إلى جثة شبه هامدة، ولا سيما بعد هزيمة 1967 ووفاة جمال عبد الناصر عدداً من المواثيق والاستراتيجيات الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية ذات الطابع القومي، والتي تبين لنا بعد أن قمنا بقراءتها:


ـ أنِّها مجرد حبر على ورق، لأنَّها مقرَّة أصلاً من قبل الأنظمة المسؤولة عن التجزئة والتبعية والتخلف، ولأنَّ هذه الأنظمة إياها هي المسؤولة عن تنفيذ هذه المواثيق والاستراتيجيات على قاعدة "حاميها حراميها".


ـ تعكس هذه المواثيق والاستراتيجيات الطبيعة التوفيقية والتلفيقية لفكر السياسي العربي المتربع على سدَّة الحكم، التي تتمثل في تلك المسافة التي تتسع يوماً بعد يوم بين القول والعمل، بين النظرية والممارسة في سلوك وفي أخلاق معظم الحكام العرب الحاليين .
إنَّ جامعة الدول العربية هي جامعة حكومات وأنظمة غير شرعية، لأنَّها ليست منتخبة من الشعب، وإنَّما وصلت إلى الحكم عن طريق التسلط الأقلياتي القبلي و/أو الطائفي و/أو الديكتاتوري العسكري، بغض النظر عن محاولة حجبها لهذا التسلط خلف ستار من الإيديولوجيات والشعارات الكاذبة ، ولهذا فإنه ليس من المنتظر من جامعة من هذا النوع أن تخرج الزير من البير ، ولا سيما أن إنشاءها على هذا النحو قد تم بفعل الدول الإستعمارية التي جزّأت الوطن العربي بعد الحرب العالمية الأولى ، ومن ثم
رسّخت هذه التجزئة بإنشاء جامعة الدول العربية بعد الحرب العالمية الثانية كستار لتمرير هذه التجزئة ـ المؤامرة (أنظر محمد الزعبي ، دفاعا عن نظرية المؤامرة ، صحيفة القدس العربي ،30 / 04 / 2002)
(لقد استعرنا عبارة الصعود إلى الصفر من عنوان كتاب لفيصل حوراني يحوي هذه العبارة)

17. مفاتيح المثلث التنموي:


إنَّ التنمية هي مسؤولية جماعية . وتشير تجارب الشعوب والأمم إلى أنَّ من يملك مفاتيح مخزن السلاح، هو الذي يملك عملياً مفاتيح القصر الجمهوري أو الملكي (السلطة)، ومن يملك مفاتيح السلطة، هو الذي يملك مفاتيح مثلث التنمية ممثلاً بالمدرسة والمزرعة والمصنع، ذلك أن بيده من جهة، سلطة وضع القرار ومن جهة أخرى سلطة تنفيذ هذا القرار. إنَّ استقراءً موضوعياً للتاريخ السياسي والاجتماعي العربي بعد سقوط بغداد الأوَّل عام 1258 بيد هولاكو، والثاني عام 2003 بيد جورج دبليو بوش، يشير إلى أنَّ هذه المفاتيح الأربعة كانت في كثير من الأحيان بيد "الأجنبي" إمَّا مباشرة (كما هي حال فلسطين والعراق اليوم)، أو مداورة (كما هي حال بقية الأقطار العربية دونما استثناء).
إنَّ عدم وجود هذه المفاتيح الأربعة، ولا سيما الأوَّل (السلطة) منها بيد الجماهير العربية، كان وما يزال السبب الجوهري الكامن وراء وجود ودوام ظاهرة التخلف، الأمر الذي يعني أنَّ إنهاء ظاهرة التخلف في الوطن العربي يستلزم أن تستنفر وتنظم الجماهير الشعبية نفسها، في حملة وطنية حاسمة، تستعيد بها دورها المشروع في أن تقرر مصيرها بنفسها ولنفسها مستعيدة بذلك مفاتيح مخزن السلاح ومعها مفاتيح المدرسة والمزرعة والمصنع، أي مفاتيح التنمية الوطنية المعتمدة على الذات، والتي ستردم بأسرع وأقصر السبل الهوة القائمة حالياً بين الدول النامية والدول المتطورة إلى غير رجعة.
إن محاربة الإحتلال الأمريكي ـ البريطاني ـ الإسرائيلي لكل من فلسطين والعراق ، وهو ماتقوم به المقاومة الوطنية في هذين البلديين العربيين بكافة أجنحتها وفصائلها ، إنما يمثل حجر الأساس في إخراج الأمة العربية من هذا النفق المظلم الذي مابرحت تعيش فيه بشكل أو بآخر ، بدرجة أو بأخرى، منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى اليوم 


رابط المصدر